الحلقة ١١ – ١ أيار ٢٠٢١
حنان:
قبل أن ننتقل إلى إدارتك لبيت ثقافات العالم أحب أن أسألك إن كنت خلال هذه الفترة قد تابعت العمل في الإخراج المسرحي، أم أن الإدارة الثقافية سرقتك من العمل في المسرح. هل قدمت في رين مسرحيات من إخراجك أنت؟ أنت لا تستطيع أن تبتعد عن المسرح، وفي بيت الثقافة في رين كانت لديك الإمكانية لفعل ذلك.
شريف:
عندما كنت في رين، لم أرد أن أستخدم أموال المؤسسة التي أديرها من أجل عروض خاصة بي، ولذلك لم أخرج أية مسرحية خلال السنوات السبع التي أدرت فيها بيت الثقافة هناك. لكن عندما قررت ترك العمل في رين خطر على بالي بمناسبة انتهاء عملي هناك أن أخرج عرضاً عنوانه “آلة النقود أبواب السماء” Machine à sous, les portes du ciel انطلاقاً من نص كتبته أنا هو مزيج من الموسيقى والغناء والرقص. طلبت من جان غاريك Jeran Garrec الذي كان مدير الموسيقى في بيت الثقافة في رين وقائد الأوركسترا فيها كتابة موسيقى العرض، وقامت فرانسواز بتصميم الديكور والملابس. وقد عرضناه في رين. قمنا بعد ذلك بجولات مع هذا العرض وكنت سعيداً بالعودة إلى الإخراج بعد تلك السنوات.
في تلك السنة، أي في عام 1981، تصادف أنه تم تعيين جاك لانغ وزيراً للثقافة، وكان روبير أبي راشد مستشاراً له.
حنان
روبير أبي راشد مؤلف كتاب “أزمة الشخصية في المسرح الحديث” الذي قرأته ودرسّته كأحد المراجع المهمة في المسرح. تعرفت عليه بشكل شخصي في التسعينيات أثناء زيارة له إلى دمشق. وللطرافة سألته إن كان بالصدفة يمتّ بصلة القرابة لألبير أبي راشد مصمم الأزياء وصاحب أشهر مشغل خياطة في شارع النصر في دمشق، وما زالت اللافتة التي تحمل اسمه موجودة حتى الآن. قال لي أن ألبير شقيقه أو ابن عمه لا أذكر تماماً.

شريف:
لم أكن أعرف هذا الشيء عنه. أعرف أنه من أصول لبنانية. أنا تعرفت عليه عند صديقتي الكاتبة أندريه شديد. كان زميلاً لجاك لانغ وعمل معه في إدارة مهرجان المسرح في نانسي، وعندما صار لانغ وزيراً للثقافة عيّنه مستشاراً له.
حنان:
جاك لانغ كان وزير الثقافة أثناء دراستي للمسرح في فرنسا. وقد شهدت كيف لعب دوراً محورياً في تطوير المشهد الثقافي الفرنسي. ففي عهده تأسّست المدارس الفنية الهامة مثل مدرسة الفيميس للسينما ومدرسة التصوير الفوتوغرافي في آرل وكونسرفاتوار الموسيقى والرقص ومدرسة الرقص في أوبرا باريس، ومدرسة اللوفر… كما أذكر أنه شجّع مفهوم الرعاية بإعفاء الرعاة من نسبة من الضرائب وغير ذلك مما لا يمكن حصره هنا. أنا لست بصدد إلقاء قصيدة مديح بحقّه، وقد تكون له مشاكله وأخطاؤه في فرنسا، لكن ما قام به في الثمانينيات فتح عيني على ما يمكن أن تثمر عنه سياسة ثقافية مدروسة ومبتكرة. ما رأيك فيه، أنت الذي كنت في قلب الحدث؟
شريف:
بالطبع كان عمله ينبع من سياسة ثقافية مدروسة، لكن يجب ألا ننسى أنه استطاع أن يفعل كل ذلك لأنه استطاع أن ينال في فترة حكم ميتران ضعف الموازنة التي تُخصص عادة لوزارة الثقافة. أنا تعرفت عليه قبل أن يصبح وزيراً، والتقيت به للمرة الأولى في الفيليبين عندما تمت دعوته من قبل لجنة مسرح العالم الثالث التي كنت أديرها ضمن المعهد الدولي للمسرح، والتقينا مراراً بعدها.
حنان:
حضر إلى سورية أثناء احتفالية دمشق عاصمة الثقافة العربية في 2008. تذكر أني وجهت له الدعوة ليشاهد عرض “أندروماك” الذي مثلت فيه ابنته فاليري التي توفيت بعدها للأسف. كما أنه ذهب معي بالسيارة إلى السويداء لحضور حفل وعد بوحسون هناك. أعجب كثيراً بصوتها وبكل نشاطات الاحتفالية التي حضرها.

حنان:
آسفة لأني قاطعتك. لنعد إلى مسار حكايتك. حكاية الدروب التي مشيت عليها من بيت الثقافة في رين وصولاً إلى بيت ثقافات العالم.
شريف:
كما تريدين. كنت أقول إن الأمر قد بدأ حين التقيتُ بروبير أبي راشد وقلت له أنني أمضيت سبع سنوات في بيت الثقافة في رين (من 1975وحتى1981)، وأريد أن أؤسس لبنية ثقافية جديدة تكون تتمةً واستمراراً لمهرجان الفنون التقليدية الذي كنت أديره هناك. قال لي أن النقود متوفرة لأن الوزارة استطاعت أن تضاعف ميزانيتها، لكن يجب أن نجد مكاناً. في اليوم التالي اتصل بي وقال أن مؤسسة الأليانس الفرنسية aisel’Alliance Franç لديها مسرح يقومون بتحسين تجهيزاته، وكانوا يتساءلون عمّا يمكن أن يقدّموا فيه. ذهبت لأرى المسرح على أمل أن أؤسس فيه بيت ثقافات العالم. التقيت هناك بروجيه غوز Roger Gouze الذي كان شقيق زوجة فرانسوا ميتران والمفوّض العام لمؤسسات الأليانس الفرنسية. قال لي أن المشروع أعجبه وأنه يشجعني على القيام به.
استقلت إذن من بيت الثقافة في رين، لكنني بقيت مديراً للأوبرا هناك بناء على طلب الوزارة. كذلك بقيت فرانسواز في رين لتتابع مهرجان الفنون التقليدية.
وبالفعل، تم في عام 1982 تأسيس بيت ثقافات العالم في باريس، وكان مقره مسرح الأليانس في بولفار راسباي. وبعد سنوات تم تأسيس دار ثقافات العالم في برلين على شاكلته.
حنان:
كأنك من النوع الذي لا يهدأ يا شريف وأنك كنت تبحث دائماً عما هو جديد. لكن ليس الأمر هيّناً إن لم تكن للإنسان صداقات تسمح له بالانطلاق إلى حيث يريد.
شريف:
طبعاً الصداقات والمعارف تلعب دوراً هاماً. الآن وأنا أفكر بما قمت به وأحدثك عنه أجد أنني كنت محظوظاً بلقاء بأشخاص هامين ورائعين ساعدوني كثيراً وبقيت متعلقاً بهم، واستمرت صداقتي معهم لوقت طويل، ومعظمهم فتح لي الأبواب حين كنت أبحث عما هو جديد.