الحلقة ١٢ – ٢٥ أيار ٢٠٢١
حنان:
اريد أن أتوقف اليوم أمام اهتمامك منذ السبعينيات بأشكال الفرجة والفنون التقليدية والعروض الجديدة من نوعها، وبأنواع ثقافات العالم المجهولة والتي لا يعرفها الناس. أظن أن هذه الظاهرة تتوافق زمنياً مع توجّه بدأ يتبدّى في المشهد الثقافي العالمي في الفترة التي تلت استقلال المستعمرات القديمة، أو ما عرف باسم ما بعد الكولونيالية Post-colonialisme . فقد وصلت الدراسات الأنتروبولوجية إلى أوجها في السبعينيات والثمانينيات، وتم الترويج لمفهوم “الآخر” (أي الغريب المختلف) على أصعدة مختلفة، وبدأت تظهر أبحاث تدور حول مسألة الهوية وإنتاج المعرفة في أماكن أخرى بعيدة عن أوروبا. في الفترة نفسها بدأت الحكومات الأوروبية تطلق مؤسسات أخرى تعنى بثقافات العالم الآخر، وبأشكال التعبير التي تنتمي إلى عوالم مختلفة خارج أوروبا. في فرنسا ولأنني تابعت تلك الظاهرة عن قرب، تم تأسيس معهد العالم العربي IMA في ١٩٨٧، وفي عام ١٩٩١ أُطلق اسم جديد على المتحف الوطني لفنون افريقيا وأوقيانوسيا National des Arts d’Océanie et d’Afrique éeMus الذي كان في البداية “المتحف الكولونيالي”، ثم صار اسمه “متحف فرنسا ما وراء البحار”، مع كل ما في تغيير التسميات من دليل على تغير النظرة إلى البلاد التي كانت مستعمرات أوروبية وإلى ثقافاتها.
بعدها أُطلق مفهوم “التنوّع الثقافي” الذي راج وانتشر، كما انطلقت مشاريع حفظ التراث المادي واللامادي في البلاد التي لديها تراث ثقافي هام ومختلف عما يوجد في أوروبا.
فكرة تأسيس بيت ثقافات العالم كانت جزءاً من هذا التوجه، وكنت أنت سبّاقاً في هذا المجال. هل يمكن أن تحدثني عن تلك المرحلة؟ مرحلة تأسيس بيت ثقافات العالم؟ وكيف صغتَ سياسة هذه المؤسسة؟
شريف:
سأتحدث بالبداية عن مرحلة التأسيس ثم نعود لما ذكرتِهِ عن توجه النظرة إلى ثقافات الآخر المختلف.
بمجرد استلامي إدارة بيت ثقافات العالم بدأت أنظم الأمور. قمت في البداية بتشكيل فريق عمل مصغّر توسّع لاحقاً وبالتدريج. بعدها بدأت العمل مع الفريق على البرمجة بحيث نقدم العروض الخارجية بنفس الطريقة التي تقدم بها العروض الفرنسية، أي لا نكتفي بيوم واحد بل تبقى الفرقة عدة أسابيع.
أول شيء قمت به هو أنني اخترت جان دوفينيو Jean Duvignaud المختص في علم الاجتماع رئيساً لبيت ثقافات العالم.
حنان:
وجود دوفينيو ضمن فريق العمل هو بلا شك أحد أسباب نجاح تجربة بيت ثقافات العالم. تاريخ دوفينيو معروف في مجال سوسيولوجيا المسرح وفي ربط المسرح ببنية المجتمعات.
شريف:
دوفينيو كان يتمتع باحترام كبير في الأوساط الجامعية. كان مختصاً بعلم الاجتماع لكنه كان في الوقت نفسه روائياً، ولديه مخيّلة غنية بسبب اهتمامه بجميع الثقافات، وبشكل خاص الثقافة البرازيلية. التقيته للمرة الأولى في الحمامات في تونس حيث كان يقوم بالتدريس. وقد توافقت أفكارنا كثيراً وبقينا أصدقاء بعد أن عدتُ إلى باريس وصرت أعمل في التلفزيون. كان صديقاً بالمعنى الحقيقي للكلمة. وعندما ذهبت إلى رين دعوته لهناك.
روبير أبي راشد الذي كان يعرف دوفينيو بشكل جيد هو الذي اقترح عليّ أن أكلّمه وأعرض عليه أن يكون رئيس بيت ثقافات العالم. في البداية تردّد ثم وافق مسروراً لأن الأليانس التي كانت مقر بيت ثقافات العالم كانت قريبة من بيته. كنا نجتمع كل يوم وكان لدينا الكثير من الأفكار. وحتى بعد أن انتهينا من مرحلة الإطلاق ظل يأتي كثيراً ويتحدث مع فرانسواز عن البرازيل وعن عمله، ويمرّ لرؤيتي ويسألني إن كانت هناك مشاكل. بقي دوفينيو رئيساً لبيت ثقافات العالم عدة سنوات وحتى وفاته. كان شخصا رائعاً لأنه يعرف كل الناس ويدعم المختصين في علم الاجتماع، ولذلك صار بيت ثقافات العالم مكان لقاء لهم.

في تلك الأثناء، أتت فرانسواز لتلتحق بنا في بيت ثقافات العالم بعد أن أنهت مهرجان الفنون التقليدية في رين، وصارت تذرع أرجاء العالم بحثاً عن عروض متميزة وأصيلة تمثل الموسيقى والرقص بالطريقة التي تُقدّم بها في بلادها الأصلية. لم تكن مهمتها سهلة ولا كان العثور على أشياء أصيلة تمثل ثقافات العالم بالبساطة التي نتصورها، ولا إحضار الفنانين من بلادهم ليقدموا أعمالهم في فرنسا. فرانسواز كانت خبيرة في هذا المجال، واستمر نشاطنا على هذا المنوال لعدة سنوات.
| فرانسواز: عملت عند شريف كوكيل للسفريات !! كان عليّ أن أسافر إلى الخارج وأشكّل الفرق التي يمكن دعوتها، وأتصل بالسفارة الفرنسية لأحصل على الأوراق اللازمة لدخول الفنانين إلى فرنسا، وأن أحضّر هؤلاء لفكرة السفر إلى أوروبا، خاصة وأنهم لم يكونوا فنانين بالمعنى الاحترافي الذي لدينا في أوروبا. كانوا خليطاً من التجار والخياطين والعمال الذي يمارسون الرقص والغناء. كان عليّ أن أجمع تلك الطاقات التي لديهم وأن أطلقها في فرنسا. لكن الحقيقة أنني كنت سعيدة بهذا العمل لأني كنت دائماً شغوفة بقصص السفر وروايات الرحلات وعلى الأخص حكايات جول فيرن الذي سحرني منذ الطفولة. وعندما أسّس شريف بيت ثقافات العالم كان عليه أن يغذّي فكرة السفر والبحث عن أشكال مختلفة لا تعرفها أوروبا، وقد أعطاني صلاحية مطلقة في أن أجد الأشياء التي لا يعرفها أحد في فرنسا، وهذه الثقة كانت مربكة بالنسبة لي. كان عمري خمس وثلاثون سنة وقتها، ولم تكن مهمتي سهلة. |
حنان:
أذكر أن فرانسواز روت لي مرة حادثة طريفة. كانت في بلدٍ بعيد ما لم أعد أذكر ما هو، وعثرت على موسيقيين يعزفون ارتجالاً على آلاتهم الموسيقية. وكانت الفكرة أن يعزفوا على المسرح في فرنسا بالطريقة نفسها التي يؤدون فيها حين يكونون في مجتمعهم الأصلي، أي بملابسهم العادية وبدون تكلف، وبعيداً عن الكودات الغربية في هذا المجال. في يوم الحفلة، تأخروا في الوصول إلى المسرح. وعندما جاؤوا في النهاية، قالوا أنهم كانوا في السوق يبحثون عن بذلات سوداء مثل تلك التي يرتديها العازفون في الأوركسترا في أوروبا. كانوا يحملون معهم أيضاً أوراقاً ليضعوها أمامهم مثل النوتات الموسيقية، أي أنهم أرادوا أن يتأقلموا مع الطريقة التي يعزف بها الموسيقيون في أوروبا…. وهنا كانت المفاجأة!

لوحة لفرانسواز غروند خزندار عنوانها “ذات صباح، في محطة الشمال”. الصورة مأخوذة من صفحتها على الفيسبوك
حنان:
عمل معك في المؤسسة أيضاً بيير بوا Pierre Bois المختص بعلوم موسيقى الأعراق Ethnomusicologie. كنت أعرفه جيداً منذ أن كان يعمل في المركز الثقافي الفرنسي في دمشق.
شريف:
صحيح. أعلنّا وقتها عن حاجتنا لشخص مهتم بموسيقى العالم، وتقدم للعمل مرشحون من طلاب الدكتوراه من بينهم شخص كان قد أنهى تدريبه في سورية وأنتج أسطوانة عن العود من عزف صبري مدلل في مجموعة أوكورا Ocora التي تنتجها فرانس موزيك. ولهذا أثار انتباهي. بعد أن تحدثنا مليّاً طلبت منه أن يدير العمل على الجانب الموسيقي في بيت ثقافات العالم، وهو ما قام به حتى تقاعده. اقترح علينا أن نصدر مجموعة من الأسطوانات المدمّجة CD، وأن ننتج أعمالنا وحدنا ولا ننتظر من يوزعّها لنا. كنا قد أصدرنا من قبل أسطوانات مدمجة CD في مهرجان الفنون التقليدية في رين، ولذلك كانت لدينا الخبرة الكافية التي تسمح لنا بالقيام بذلك العمل. وهكذا خلقنا مجموعة خاصة ببيت ثقافات العالم أسميناها Inédit ، وهي كلمة تعني ماهو جديد من نوعه، أو ما يصدر لأول مرة. أصدرنا ما يقارب مئة ديسك.

حنان:
“جديد من نوعه”. هل كنتم بالفعل أول من أصدر هذا النوع من موسيقى العالم ؟
شريف:
لا لم نكن أول من عمل على موسيقى العالم، فقبلنا بكثير قام راديو فرنسا بجمع وتسجيل الموسيقى التقليدية وأشكال التعبير الموسيقية الأصيلة التي كانت تُسجّل في مكان عزفها الأصلي، أو كان يتم عزفها في حفلات موسيقية، أو ضمن استوديوهات راديو فرنسا بشكلها التقليدي. كانت تلك الإصدارات تحمل إسم مجموعة Ocora Radio France . بفضل هذه المجموعة تعرفّت على كثير من الموسيقيين الهامين، واتصلت بهم، فجاءت مجموعتنا لتكمل العمل. وبالفعل عندما تقاعد المسؤول عن هذه المجموعة في راديو فرنسا وما عاد هناك من يكمل بعده، حلت مجموعتنا Inédit محل مجموعة راديو فرانس.
حنان:
أرواد اسبر كانت معكم أيضاً في هذه التجربة، وصارت مديرة المؤسسة بعد تقاعدك. كيف وصلت أرواد إلى بيت ثقافات العالم؟
شريف:
ارواد اسبر كانت في البداية مسؤولة عن الصحافة والإعلام. أما كيف وصلت إلى بيت ثقافات العالم فلهذا قصة طريفة: في أحد الأيام كنت في معهد العالم العربي. أتت لعندي صبية تحدثت معي بعدوانية وقالت: أنت في بيت ثقافات العالم ومع ذلك لا تفعل أي شيء بالنسبة للثقافة العربية، لماذا؟ قلت لها: بلى. قدمنا عروضاً كثيرة من الثقافة العربية. قالت لي هذا لا يكفي. قلت لها: إن كانت لديك أفكار تعالي وقدّميها لنا. جاءت بعد أيام لزيارتي ودعوتها للعشاء. في المرة الثانية فهمتُ أنها ابنة ادونيس الذي كان صديقي. وجدت أن لدى أرواد أشياء تقولها. كانت تدرس الصحافة وتقوم بمهمات في بلاد بعيدة في الشرق. وجدت ذلك منواسباً لعملنا وعرضت عليها أن تعمل معنا. أول مهمة لها كانت في ايران. طلبت منها أن تذهب لهناك وتجد لنا من يستطيع أن يقدم عروضاً في بيت ثقافات العالم. ثم بدأت أعطيها مهمات للبحث عن أشكال أصيلة في آسيا الوسطى. وبما أنها قامت بتلك المهمات بشكل جيد وناجح، فقد اقترحت عليها أن تهتم بالبرمجة بعد أن تقاعدت فرانسواز التي كانت تلك مهمتها. كنت أنا في ذلك الوقت أدير بيت ثقافات العالم، ودوفينيو هو الرئيس. ثم عندما تقاعد دوفينيو أخذتُ أنا مكانه في الرئاسة، وأخذت أرواد مكاني كمديرة. كانت قد فهمت كل شيء، لكنني كنت أتابع الأشياء معها عن كثب، وكان الاتصال بيننا مستمراً حتى انتقل بيت ثقافات العالم إلى فيتريه Vitré. لم تلحق بنا أرواد إلى هناك، وتركت الوظيفة كمديرة وصارت هي رئيسة بيت ثقافات العالم. لكننا بقينا في مجلس الإدارة معاً.
ارواد ذكية جداً وديناميكية ومليئة بالأفكار. وعندما تريد شيئاً تذهب إلى النهاية من أجل القيام به. كانت تقوم بالمهمات في أماكن صعبة بعد أن حلّت محل فرانسواز في هذا العمل. لم تقم بأية غلطة في البرمجة لأنه كانت لديها رغبة كبيرة بالاكتشاف. وقد اندهشنا من ديناميكيتها ومن قدرتها على العثور على أشياء أصيلة لأنها منفتحة وتهتم بالناس ولديها قدرة على العطاء بكرم كبير.