الحلقة ١٣ – ٥ حزيران ٢٠٢١
حنان:
لقد استطعتَ أن تحيط نفسك بأشخاص من نوعية رفيعة، وهذا هو سبب نجاح العمل في بيت ثقافات العالم. لكنني أظن أن الفضل الكبير يعود بشكل رئيسيّ لرفيقة رحلتك منذ البداية وشريكة حياتك فرانسواز غروند. في كل ما قلتَه في هذه المقابلات، كان اسم فرانسواز يعود بشكل مستمر. وأنت ذكرت أنها كانت تجوب العالم بحثاً عن الأشياء الأصيلة والحقيقية وبعيداً عما هو ايكزوتيكي. كيف استطعتما التوفيق بين حياتكما كزوجين وبين عملكما معاً كزميلين وشريكين؟

شريف:
عشنا أنا وفرانسواز معاً لفترة طويلة جداً واتفقنا على أن تتسم علاقتنا بالحرية والاستقلالية. ما كانت شراكتنا في الحياة تؤثر على عملنا. كنا نتقاسم المهمات ونتعاون. على سبيل المثال، في بيت ثقافات العالم كانت هي التي كانت تسافر وتبحث عن أشكال عروض خاصة، وأنا كنت أبقى في باريس لأسيّر المؤسسة. هكذا أوجدنا نوعاً من التكامل فيما بيننا، ولم نكن نضايق بعضنا.
| فرانسواز: شريف بالنسبة لي رجل غامض لا أستطيع أن أفهمه جيداً. وربما هذا هو السبب في أننا بقينا معا كل تلك المدة. لا شك في أننا مررنا بكثير من “الهزّات”، لكننا بقينا معا لأنني كنت أحاول طيلة الوقت أن أفكك شيفراته. هو رجل لا يتحدث كثيراً ويكره أن يقدم شروحات. وفي النهاية قلنا لبعض: لكي نستطيع البقاء معاً، يجب ألا نعيش تلك الحياة التقليدية التي يعيشها الأزواج البورجوازيون. كنت معلمة وهو مخرج، وكان كل شيء يؤهلنا لأن نعيش على الطريقة التقليدية. لكنني ما كنت أريد ذلك. كنت أريد أن استكشف آفاقاً أخرى، وهذا ما دفعنا فيما بعد لأن نذهب إلى تونس والجزائر والمغرب حيث كان لدينا أصدقاء من المسرحيين. |

طالما أن عمل فرانسواز هو البحث والاقتراح، وأنت مسؤول عن الإدارة الفنية، هل حصل أن اختلفتما على شيء معين ضمن البرمجة؟
شريف:
لم يحصل أن اختارت أي شيء لم يعجبني، لأننا منذ البداية نكون متفقين على المبدأ. وعندما كانت تذهب، كان هناك دائماً مشروع جديد نتوقع حصوله معاً. في بيت ثقافات العالم كنا متفاهميَن ومتفقيَن ولدينا المقاربة نفسها لأشكال العروض، والفضول نفسه، وهاجس البحث نفسه؛ ولذلك سارت الأمور بشكل جيد بيننا حتى دون أن نطرح أسئلة أو نتناقش حول تلك الأشياء. كنا على نفس درجة التفاهم مما كان يسهّل الأمور في مجال العمل.
حنان:
لكن عندما كنتما في مسرح الرون بوان وفي بيت الثقافة في رين كانت وظيفتها مختلفة حتماً
شريف:
عندما عملت في مسرح الرون بوان لم تكن فرانسواز موجودة معنا لأنها بقيت في رين لتنهي عملها في الأوبرا هناك. أصلاً في مسرح الرون بوان كنا نقوم ببرمجة ما هو جاهز، ولم نقدم أعمالاً من إنتاجنا.
أما في رين، فكانت مهمة فرانسواز في البداية التواصل مع الصحافة وكتابة معظم النصوص التقديمية حول العروض، والتي يحتاجها الصحفيون ليكتبوا عما نقدمّه. تدريجياً، وبالتوازي مع عملها في الصحافة، كانت تُخرج عروض الأوبرا وتصمّم الديكور لها، وكانت تنجح في ذلك لحد كبير.
بالإضافة لذلك كانت لديها موهبة العثور على أشياء نادرة بالمقارنة مع ما يجده باحث عادي، لأنه كانت لديها القدرة على البحث وطرح الأسئلة، وهي موهبة ليست متاحة للجميع.
حنان:
بالإضافة لكل ذلك هناك موهبتها النادرة في الرسم والتصوير. ما ترسمه فرانسواز له طابع قوي جداً وخاص بها، وفي الوقت نفسه، لوحاتها تبدو مزيجاً من فنون العالم بأسره. لا شك أن الأسفار العديدة التي قامت بها إلى أنحاء العالم أغنت مخيلتها بشكل كبير. إنها تعيش داخل لوحة.

فرانسواز في محترف تصوير شارك فيه ١٢ مخرج أميركي وايطالي قبل ٢١ سنة في بيت إيلين ستيوارت.
الصورة من صفحة فرانسواز على الفيسبوك
| فرانسواز: عندما كنت صغيرة جدا بدأت بالرسم وشجعتني أمي على ذلك. كذلك شجعني أساتذتي. بعدها بدأت أذهب إلى المتاحف واكتشفت فيها كل العوالم التصويرية. كنت أمضي كل وقتي في المعارض والمتاحف وأرسم كثيراً. أعطاني ذلك لغة جديدة صرت أتقنها بالإضافة إلى اللغات التي أعرفها. وقد شكل ذلك بالنسبة لي انفتاحاً على العالم وعلى الناس. وما رأيته في البلاد المختلفة غذّى مخيلتي بألوان وصور مختلفة. |

حنان:
أعرف أنها ما كانت تكتفي برسم لوحات الديكور للمسرحيات والأوبرا، بل كانت تزيّن مداخل المسرح أيضاً برسوماتها.
كذلك لديها تلك الموهبة في اكتشاف أشياء طريفة. رأيت عندكم مرة من سنوات لوحات بورتريه مرسومة بشكل بدائي تمثل أشخاصاً. سألتها فقالت لي أن هذه البورتريه تستعمل في إحدى القرى الافريقية بدلاً عن الاسم الذي يوضع على البيت ليعرّف بصاحبه في مناطق لا تعرف الناس فيها القراءة والكتابة. ومن يرسمها هو شخص أميّ يعيش في القرية ويعتاش من الرسم. وهي اقتنت مجموعة من هذه البورتريهات.
شريف:
تجد فرانسواز متعة كبيرة في الذهاب إلى الأمكنة البعيدة في أفريقيا وأمريكا اللاتينية بحثاً عن العروض، وهو ما لم يكن يستطيع فعله كثيرون. كنا نبحث عن الأشكال التي تخرج عما هو عادي، وعن ممارسات ليست معروفة، ويمكن أن تكون مهمّة، وبالتالي تتوافق مع خصوصية عملنا في بيت ثقافات العالم. كنا لا نريد أن نعيد ما تمّ من قبل. ما أردنا أن نقدم الكاتاكالي الهندي لأنه صار معروفاً. كنا نبحث عن أشياء أخرى وعن معارف أخرى. في البرنامج الذي كنا نقدّمه كانت لدينا قاعدة ألا نفعل الشيء نفسه مرتين. كنا نقدم ما نجده ولا نعيده، ولا نستفيد من نجاح الأشكال التي تقبّلها الجمهور، وإنما نبحث دائماً عن شي جديد. في ذلك نوع من المازوشية ربما، لأننا لم نكن نستفيد من النجاحات. كنا نتكبّد المخاطر لدعوة الفرق من أماكن بعيدة، فيأتي آخرون ليستفيدوا دون جهد مما فعلناه ولاقى نجاحاً.
| فرانسواز: بدأت العمل بالسفر إلى مناطق كنت أعرفها جيداً وأجمع ما أجده فيها من التظاهرات الغريبة وأنواع الاحتفالات والطقوس وأشكال التعبير غير المألوفة. كنت أعرف الهند جيداً ولذلك استطعت أن اكتشف وأصنّف أشكالاً لم تخرج من هناك قبل ذلك. بعدها وسعّت نطاق البحث، ورحتُ إلى مناطق لا أعرفها أبداً. ذهبتُ إلى ماليزيا وإلى تايلاند وحتى إلى الصين حيث لاقيت صعوبات كبيرة. لكن المنطقة التي سحرتني أكثر من أي مكان آخر هي بلاد ما كان يدعى الاتحاد السوفييتي. كانت تلك البلاد بمثابة اكتشاف رائع على مستوى الأغاني والطقوس، لأنها منطقة بكر غير مكتشفة ولم يلوثها أحد. من الجيد أن أوروبا الغربية ما كانت تلقي بالاً إلى تلك الرقعة من العالم. سحرني أن أجد في بعض الجمهوريات الصغيرة مثل كالموكي Kalmoukie رجالاً يغنون عندما يشعرون بالحنين، ويغنون بعد العودة من الحرب، ويغنون عندما يرغبون بشفاء المرضى. كان ذلك رائعاً. سافرتُ إلى بلاد عديدة خلال سنوات وأكتشفت أشياء رائعة. كنت أعود سعيدة بالغنائم التي أحصل عليها لأني كنت أتصيد الأشكال التي لا يعرفها أحد والتي تحمل أبعاداً فريدة. لكن في الوقت نفسه، لم يكن من السهل إقناع الناس أن يكشفوا بسهولة عما لديهم. على سبيل المثال، هناك منطقة في الجنوب تًغني فيها النساء في حالة الحداد. ولقد رأيتهن َّ يغنون أمامي بمناسبة موت شخص ما. عندما اصطحبتُ بعض تلك النساء إلى فرنسا لتقديم عروض في بيت ثقافات العالم، رفضن الغناء على المسرح لعدم وجود من يبكين عليه. كان يجب إقناعهنَّ بأن يغنوا دون الدخول في حالة حداد. ولا ننسى أن في ذلك الجزء من العالم الحداد هو جزء من حياة الناس. وفي النشاطات التي تحيط بالحداد وبالموت، هناك دائماً فتحات ترتبط بالحياة وتنتقل من جيل لجيل. كل ذلك يختلف جذرياً عن تصوّر الفرح والحزن في الفلسفة الغربية. كان كل ذلك يسحرني ويشدني لأن أفهم ولأن أكتشف. |
حنان:
طالما كانت لدى فرانسواز تلك القدرة على البحث عما هو غريب وتقبل الاختلاف، من الممكن أن ذلك جعلها لا تشعر بالغربة عندما أتت إلى سورية.
شريف
في سورية كانت فرانسواز تشعر بالسعادة لأننا كنا نعيش وقتها في أوساط منفتحة، وأصدقاؤنا هم رفيق صبان وهشام متولي الذي كان يساعد رفيق في الجانب الفكري وغيرهم كثيرون. كان لدينا أصدقاء من الفرنسيين السوريين من بينهم غياث الأخرس وزوجته الفرنسية. لم تجد فرانسواز نفسها ضائعة في بلد غريب. على العكس، دخلت في العمل معي ومع رفيق بسهولة لأنها كانت لطيفة جداً. ما كانت تتحدث العربية، وتعرف عدة كلمات فقط. ومع ذلك لم تشعر بالغربة في العمل لأن أوساط المسرح متشابهة في أنحاء العالم. كانت لديها معرفة عميقة بمهنة السينوغراف، وكانت ترسم الديكور وهناك من ينفذه كما تريد.
| فرانسواز: كانت سورية بالنسبة لي بمثابة دهشة كاملة ومستمرة لأنها كانت الرحلة الأولى التي أقوم بها خارج فرنسا. في سورية كانت اللغة مجهولة والممارسات غير معروفة. لكن ما شدّني أكثر من أي شيء آخر كان ثقافة السر. الثقافة السورية هي ثقافة الأسرار، وهي مختلفة تماماً عما نعرفه في الغرب. في سورية يجب أن يمرّ الإنسان بامتحانات من أجل أن يستطيع اكتشاف التلونات في اللغة وفي التصرف. كنت لا أفهم المعنى حين يتحدث الناس، لكن كان عليّ أن أميّز بين الأصوات الناعمة والأصوات العالية. لم تكن الأصوات العالية دلالة على انتماء شعبي كما في فرنسا. كنت أرى الناس في الشارع يتصرفون كما لو كانوا يقدمون عرضاً مسرحياً. تسألهم عن صحة أولادهم فيقومون بعرض مسرحي! ولقد فهمت ذلك، وساعدني هذا فيما بعد في أبحاثي عندما أردت أن أقدم في بيت ثقافات العالم أشكال عرض سورية. لم أتوقف عن البحث عن ذلك الجانب المسرحي في شكل التعبير لدى السوريين. بالنسبة للغريب، السوريون لديهم وجهان أو ثلاثة. فهم يتكلمون بنعومة مع الغرباء كما لو كانوا لا يريدون أن يخيفوهم. ويحبون أن يقدموا لهم المعلومات بلطف شديد. وهم يريدون من الآخر أن يشاركهم في رسم تلك المسافة. في بداية إقامتي في سورية كنت مندهشة من هذا الإبعاد المهذب. ربما كان ذلك من أجل تجاوز المظاهر والقدرة على فهم الآخرين. ما كان يفعله السوريون هو مقاربة غامضة للآخر. هو شيء يشبه الشعر بما فيه من مواربة وتورية في التعبير عن الحب. في الحب هناك دائماً حبكة تُحبك أطرافهُا فيكون الزواج هو الحل للدراما التي كانت معالمُها قد ارتسمت من قبل. كنت أشعر أن لكل الناس أسرارهم الحميمية التي يخفونها، ولم يكن من الممكن أبداً أن تنكشف. وحدها الموسيقى والرقص كانت أشكال تعبير واضحة. كنت أحترم ذلك السر، وأسير بخطوات صغيرة حتى لا اخترق أسرار الآخرين. |

حنان:
أنا أذكر فرانسواز بشكل خاص في تلك المرحلة. كانت في عيوني وأنا طفلة تلك الشقراء اللطيفة الفرنسية التي كانت تعمل بحبّ في المسرح، وتتطلع إلى كل شيء في حياتنا اليومية بشغف وبمتعة. كنت أحب كثيراً أن أنصتَ إليها تتحدث ببطء وبصوت ناعم مع ابتسامة. لم أكن أفهم ما تقول، لكني كنت دائماً مسحورة بهدوئها. أبي الذي كان يحب الدعابة كثيراً كان يحلو له أن يؤلف مقاطع ضاحكة من الزجل تنتهي دائماً بجملة “يا عصفوري يا عصفور”. وكانت فرانسواز تجاريه في الدعابة وترد عليه بالطريقة نفسها بالفرنسية، وتنهي المقطع بجملة
“ ـ Mon amour et pour toujours يا عصفوري يا عصفور”.
عندما سافرتما من دمشق تركتما عند أبي عدداً من الكتب الفرنسية الطريفة التي قرأتُها فيما بعد من بينها مذكرات الميجور طومسون لبيير دانينوس، ومن بينها أيضاً كتب عن الديكور المسرحي وعن صناعة الدمى في مسرح العرائس للأطفال.
أترى يا شريف، لقد لعبتما بشكل أو بآخر، وفي مراحل مختلفة، دوراً في تكويني!