الحلقة ١٤ – ٢٨ حزيران ٢٠٢١
حنان:
ما هي العروض التي بدأتَ بها الموسم الأول في بيت ثقافات العالم
شريف:
بدأت بعرض تمثيلي موسيقي وراقص قدمته مجموعة ماكوناييما البرازيلية Grupo de Teatro Macunaima . كان عرضاً ساحراً بالفعل. ثم دعوت الطيب الصدّيقي من المغرب ليقدم عرضاً مسرحياً لمدة أسابيع ثلاثة هو كتاب الامتاع والمؤانسة لـ أبو حيان التوحيدي. كانت تلك سابقة، والجو العام لم يكن مهيئاً لتقبّل العروض الأجنبية، لكن الجمهور بدأ يعتاد ذلك.

من جانب آخر قمنا بتأسيس مجلة جديدة اسمها Internationale de l’Imaginaire
حنان:
هل نترجم عنوان المجلة إلى “أممية المخيلة” بالمعنى الماركسي؟ أو إلى “عالمية المخيلة” بالمعنى الذي يشمل دول العالم؟
شريف:
لقد قصدنا من هذه التسمية اللعب على المعنيين معاً. المخيلّة حالة تجمع بين شعوب العالم.
بالنسبة للنشاطات، كانت لدينا أفكار كثيرة صغناها معاً أنا وفرانسواز وجان دوفينيو. بدأنا بتنظيم لقاءات مع أشخاص لهم وزنهم الثقافي، كما صرنا نقدم حفلات موسيقية لموسيقيين هامين مثل منير بشير الذي دعوته عدة مرات إلى بيت ثقافات العالم. بالتوازي قمنا بتسجيل العروض التي كنا نقدّمها، وأطلقنا مجموعة من الاسطوانات صارت لاحقاً مجموعة CD وصلت إلى ما يقارب 100 تسجيل من نوعية ممتازة لموسيقى لم تكن تُقدّم في أي مكان آخر. المجموعة بأكملها وضعت على الانترنت في موقع بيت ثقافات العالم، كما أننا وثقّنا جميع النشاطات التي كنا نقوم بها.
حنان:
ومهرجان المخيلة؟ لكم هو جميل هذا العنوان. الاحتفاء بالمخيلة وتوسيع مداها لتشمل صوراً وتصوّرات جديدة.
شريف:
كلمة المخيّلة كانت تعود بشكل مستمر في مفردات دوفينيو وأبحاثه، واتفقنا على اعتمادها كعنوان لمهرجان المخيلة Festival de l’Imaginaire الذي يدوم أسبوعين.

| فرانسواز: كنا نجتمع بدوفينيو طيلة الوقت. كان يهدهدنا بلغته وبكلامه عن المخيّلة. ولقد جعلنا نكتشف كنوزاً دفينة انطلاقاً من ذلك المفهوم. كانت المخيّلة بالنسبة لنا أشبه بتلك الألعاب النارية التي تضيء بجمالها ما هو معتم. وقد جعلتنا نكتشف أشكالا مختلفة من الرقص والموسيقى ومن طقوس الشفاء التي كنا نقدمها على خشبة مسرح بيت ثقافات العالم. طبعاً كنا نقدم تلك الطقوس على شكل عرض، وبدون بعدها الشفائي، لأنه كان ما كان من الممكن أن نعرض على الخشبة أشخاصاً مصابين بالمرض بالفعل. كنا نريد أن نُبرز الشكل الموسيقي الذي يرافق طقوس الشفاء، وليس عملية الشفاء بحد ذاتها. |
شريف:
مهرجان المخيلة لم يكن مهرجاناً بالمعنى الحقيقي للكلمة. لم نكن نريد أن يكون له وقت محدّد وأن ينتهي بعد مدّة محددّة. كنا نريد عملاً مستمراً طيلة السنة يستطيع الجمهور من خلاله اكتشاف أشكال تعبير جديدة. كنا لا نريد فكرة الحدث الآني Évènementiel ، أي النشاط الذي يبدأ وينتهي، بل أن تصبح عروضنا موّعداً دائماً وعادة مستمرّة. لكننا اكتشفنا بعد سنوات أن وسائل الإعلام تحتاج إلى حدث لتكتب مقالات ومقابلات، ولا تهمّها العروض التي تتم في كل أسبوع. ولذلك قررنا أن نعود لفكرة المهرجان، وأن نجمع كل النشاطات في وقت محدد.
كذلك الأمر بالنسبة للمجلة التي أطلقنا عليها اسم انترناسيونال المخيلة Internationale de l’Imaginaire ، فهي ليست مجلة بالمعنى التقليدي للكلمة، وإنما إصدارات حول تيمة معينة مع مقالات متنوعة أخرى قدمنا منها ما يقارب 40 عدداً. في البداية كنا ندعو علماء اجتماع إلى ندوة، ونطلب منهم أن يتناقشوا حول موضوع يكون محور العدد. كان لدينا بين المدعويين جاك بيرك وادغار موران وكثير من المختصين في علم الاجتماع من زملاء دوفينيو. ثم توقفنا لأن ذلك كان يتطلّب كمّية عمل كبيرة جداً.
بعد ذلك سلّمنا لدار نشر اكت سود Actes Sud مهام الطباعة مما ساعد على انتشار المجلة بشكل أكبر.

حنان
هل كانت هناك صلة ما بين بيت ثقافات العالم في باريس وبيت ثقافات العالم في برلين.
شريف:
ليس تماماً. فبعد سنة من تأسيس بيت ثقافات العالم في باريس أتى لعندي أشخاص من معهد غوته في برلين وطلبوا أن يأخذوا الحقّ في استعمال الاسم نفسه. قلت لهم أننا لسنا نملكه بشكل حصري ويستطيعون استعماله. لكن حصل التباس مردّه أن مؤسستنا في باريس كانت تعمل داخل مبنى تابع للأليانس، فاعتقد الألمان أن الأليانس هي التي أسّست البيت، وهو ما لم يكن صحيحاً إذ أننا لم نتعاون مع الأليانس أبداً. ما كنا نقوم بعملهم، ولا هم يهتمون بما نفعله. الألمان ظنوا أن العلاقة مع مؤسسة موجودة كان ضمن بنية العمل فربطوا دار ثقافات العالم في برلين بمؤسسة قائمة هي معهد غوته. يعتقد الناس أن هناك تشابهاً بيننا وبين دار برلين في حين أن الاختلاف كبير.
حنان
هل كانت البرمجة التي قمتَ بها في بيت الثقافة في رين ثم في بيت ثقافات العالم في باريس قادرة على نقل الجمهور من حالة الفضول والإعجاب الايكزوتيكي إلى حالة اهتمام حقيقي بهذه الفنون؟
ومن هو الجمهور الذي يشعر بالرغبة في حضور عروض آتية من أماكن بعيدة تعكس ثقافات العالم؟ هل هم من الأجانب المقيمين في باريس والذين يشعرون بالحنين إلى ثقافاتهم؟ أم من الفرنسيين الراغبين بالعثور على ما هو غريب ليخرجوا من روتين الحياة العادية؟ أم أنهم من المختصين في مجالات الانتروبولوجيا والاثنولوجيا وغير ذلك؟
شريف:
جمهورنا متنوع وفيه من جميع هذه الفئات التي ذكرتيها. في كثير من الأحيان كانت نوعية الجمهور تختلف حسب نوعية العرض. على سبيل المثال، من يحب أمريكا اللاتينية ويهتم بها كان يأتي لحضور حفل موسيقى أرجنتينية. وكذلك الأمر بالنسبة لما هو هندي أو صيني. هناك أيضاً مجموعة من المتابعين المخلصين الذين يحضرون كل الفعاليات بغض النظر عن مصدرها، ويزداد عددهم بشكل خفيف لكن بشكل مستمر.
حنان:
لماذا أتى الاسم بصيغة الجمع؟ لماذا “ثقافات العالم”؟ هل لأن فكرة التنوع هي الأساس؟ وهل أردت أن تستثني من ثقافات العالم التي تريد عرضها في الدار كل ما يتعلق بالثقافة الغربية؟
شريف:
هذا السؤال يُطرح علينا بشكل دائم. أنا استخدمت صيغة الجمع لكلمة الثقافة لكي أميّز بيت ثقافات العالم (بالجمع)، والذي كنا بصدد تأسيسه، عن بيوت الثقافة (بالمفرد) التي كانت سائدة في فرنسا في الضواحي. وعندما اقترحتُ على روبير أبي راشد أن نخلق هذه المؤسسة سألني كيف تريد أن نسميها، بيت ثقافة العالم؟ قلت له: لا لأن الثقافة بصيغة المفرد، أي الثقافة بالحرف الكبير La Culture كما يقولون في فرنسا هي مفهوم يرسم حدوداً، ويجعل الثقافة تقف في الموقف المعاكس من كل شيء آخر. الثقافة بالحرف الكبير هي تلك التي يتم الاعتراف بها على أنها مخصّصة للنخبة. هناك الثقافة من جهة وهناك الفولكلور من الجهة الأخرى. هناك الثقافة في جهة، وهناك كل الأشياء الأخرى في الجهة الثانية. بالنسبة لي، ما كنت أريد أن أميّز بين ما هو مُعترف به في المفهوم الغربي للثقافة على أنه ثقافة، وبين ما لا يندرج ضمن هذا المفهوم، ويشمل كل الأشياء الأخرى التي لم يتم الاعتراف بها قبل أربعين سنة على أنها ثقافة، وهي في جزء منها فولكلور، وفي جزء منها تقاليد، وغير ذلك من الأشكال. لقد اخترتُ كلمة الثقافات بالجمع لأنها يمكن أن تتضمن هذه الأشكال كلها. تلك كانت الفكرة والروحية التي قامت عليها هذه المؤسسة، ونقطة الانطلاق في عملنا. كان يجب أن نُخرج أنفسنا من المفاهيم الغربية التي تميّز المجالات المُعترف بها على أنها ثقافة، أي الأشياء التي يمكن الحصول عليها عبر التعلّم والتعليم، حيث أن يكون الأنسان مثقفاً يعني أنه تعلم شيئاً ما.
لكن كل شيء يتعلق بمفهوم التعلم نفسه. هل يتم التعلم داخل المدرسة وداخل الجامعة أو المؤسسات التعليمية، أم يتم التعلم من العائلة ومن الوسط الذي يعيش فيه الإنسان؟ ومن الإرث الذي يعيشه المجتمع؟ ما أردت إبرازه هو كل ما يجعل الرجال والنساء يعبّرون عن أنفسهم بأشكال عفوية ولم يتم تعلّمها. ضمن صيغة الجمع التي اخترتهُا عنواناً لبيت ثقافات العالم توجد كل هذه الفروق التي ذكرتِها.
حنان:
بمعنى آخر أنت وضعت مفهوم التعلّم في المؤسسات والتعلّم العفوي من الأهل والمجتمع معياراً للتميز بين شكلين أو مفهومين للثقافة. فهناك ما يسمى الثقافة بالمعنى الانتروبولوجي الواسع للكلمة، أي كل ما يصنع هوية مجموعة ما مثل الدين والمعتقدات والقناعات والطقوس والاحتفالات ونوعية الأكل واللباس ومنظومة علاقات القربى، وغير ذلك مما يتم اكتسابه بشكل عفوي ضمن الجماعة. وهناك من الجانب الآخر الثقافة بمعناها المعتاد والأكثر انتشاراً، والذي يشمل كل ما يمكن تعلّمه حين يكون الإنسان ضمن النخبة مثل الفنون والآداب والموسيقى والمسرح. أظن أن ذلك المعنى الأنتروبولوجي الواسع للثقافة هو الذي أردتَ أن تُطلقه، وهو أساس التميّيز الذي كنت تنطلق منه في اختيارك للكلمة بصيغة الجمع.
شريف:
نعم تماماً. ذلك البعد الأنتروبولوجي هو الأوسع، وهو ما يحدد هوية شعب ما أو مجموعة ما. ثم هناك كل ما يكتسبه الإنسان لاحقاً…
حنان:
مرة قرأت في مقابلة لجان جينيه تعريفاً رائعاً للثقافة. قال بما معناه: مرة كنت جالساً على الأرض مع بقية الموجودين في مخيم فلسطيني قرب دمشق. ولأنني رجل عجوز اتكأت على مرفقي لأعدّل جلستي على الأرض، فسارع طفل صغير عمره لا يتجاوز خمس سنوات ليحضر لي وسادة وضعها تحت مرفقي لأرتاح. هذه هي الثقافة!!! هذه هي الثقافة وليس ما تقوم به وزاراتكم ووزراؤكم!
