الحلقة ١٥ – ٥ تموز ٢٠٢١
حنان:
هناك حدود هشّة جداً تفصل ما بين الفضول المعرفي والانفتاح على الثقافات الأخرى وبين النظرة الأميركية الأنتروبولوجية إلى “الآخر” L’Autre على أنه الإنسان المختلف عن الإنسان الغربي: الآخر مثير للاهتمام، لكنه مختلف! وهو لطيف ومحبّب ومثير للفضول، لكنه مختلف! هو مثلنا، لكنه مختلف! هذه الرؤية هي شيء يشبه النظرة الكولونيالية لشعوب العالم الثالث. نظرة فضولية لا تخلو من التعالي، وفي أحسن الأحوال تكون مترافقة باللطف والتعاطف. أقول ذلك مع أني أعرف أنكّ لستَ كذلك، وأن المؤسسة التي تديرها ليست كذلك، وأنك وكل الذين يعملون معك تنظرون إلى تلك الثقافات بعين الإعجاب وليس بعين الفضول فقط، وأن أوساط الفرنسيين المثقفين الذين يرتادون بيت ثقافات العالم ليسوا كذلك.
شريف:
مفهوم “الآخر” موجود لدى الجميع، وهو أمر نسبي. كل منا هو “آخر “بالنسبة للآخرين المختلفين. “الآخر” هو من لديه مرجعياته الخاصة، والتي ليست بالضرورة مرجعياتنا.
ما كان يهمني ويهم فريق العمل في بيت ثقافات العالم هو تعّريف جمهورنا بأشكال تعبير مختلفة لا تمرّ بالضرورة عبر التعليم.. ما كنا نريد أن نثبته ونفهمه ونقدّمه في عروضنا ومهرجاناتنا ومن خلال إصداراتنا هو ما يفسّر رؤية العالم التي لدى مجتمع ما.
لقد عملت كثيرا على مفهوم العالم الثالث في المسرح عندما كنت في “لجنة مسرح العالم الثالث”. كان هناك مخرجون من الجامعيين يقدمون المسرح في بلادهم عبر تقليد ونسخ الشكل الغربي للمسرح. أي المسرح مع ديكور وملابس وخشبة… ما كان يهمني هو أن أرى كيف كان هذا المفهوم قبل تعلم تلك الأشكال الغربية. وكيف وُجد المسرح في كل الحضارات والثقافات، لأنني أعتبر أن المسرح كان موجوداً في كل المجتمعات دون أن يحمل اسم مسرح. وقد اقترحنا وقتها تسمية جديدة هي “الأشكال شبه المسرحية Formes para-théâtrales ” للتعبير عن عروض وأشكال مثل الدمى والكاراكوز. من هنا وُلدت لديّ الرغبة بتقديم تلك الأشكال الأخرى من رقص وغناء وطقوس، وغير ذلك مما لم يكن الناس في الغرب يعرفونه أو يعترفون به كشكل من أشكال العروض.
حنان:
هذا هو تماماً ما دفع آرتو Artaud لصياغة نظريته عن مسرح القسوة. رفض آرتو المسرح الغربيّ الذي يتمحور حول الكلمة logocentrique عندما اكتشف أشكال الرقص التي تتم في جزر بالي. وهذا ما فعله بريشت Brecht عندما رأى المسرح الصيني وأوبرا بكين وكل تقنيات التغريب الكامنة فيهما والتي ساعدته على صياغة نظريته.
شريف:
تلك بالفعل هي المرجعيات التي أذكرها بشكل دائم ومن البداية. آرتو بشكل خاص كان حساساً لكل ما رآه من عروض الرقص السائدة في جزر بالي، والتي تعرّف عليها في المعرض الدولي؛ وهي التي دفعته لصياغة نظريته عن مسرح القسوة. مع مسرح القسوة كانت المرجعية قوية جداً. هذه الاشكال هي التي تهمّني أنا. كنت أريد أن أعرف كيف استطاعت “مخيّلة” ذلك العصر وذلك المكان أن تخلق “عروضاً ليست عروضاً لأنها كانت جزءاً من الحياة اليومية للناس وجزءاً من فهمهم للعالم.. كان بحثي يتوجه نحو هذه الأشكال.
حنان:
طبعا ولم يكن بحثك موجهاً نحو المسرح فقط، ومحدّداً به، وإنما نحو الأشكال الأخرى مثل الموسيقى والرقص. فيما عدا عرض الصديقي، لم يكن للمسرح بالمعنى التقليدي مكانه في عروض بيت ثقافات العالم.
شريف:
لا لم يكن المسرح ضمن البرمجة لأن كلمة مسرح بالنسبة لي ترسم حدوداً صارمة للغاية، وهي مفهوم غربيّ بحت يوزّع الوظائف على كل مكوّنات المسرح الغربي من ديكور وخشبة وغيرها، في حين أن الأشكال التي أردنا تقديمها لم تكن ذلك فقط.
حنان:
هل هذا ما دفعك لأن تطلق مفهوم الاثنوسينولوجي Ethnosénologie
شريف:
تماماً. فكرة الاثنوسينولوجي أتت من نقاش تم بيني وبين جان دوفينيو وفرانسواز غروند وهنري مارسيل دانس Henri Marcel Dance وجان ماري برادييه Jean Marie Pradier. فقد انطلقنا من فكرة أنه طالما هناك علم اسمه Ethnomusicologie أي علم موسيقى الإثنيات يتطرق لكل أنواع الموسيقى التي ليست كلاسيكية ولا غربية، ويُدرّس في الجامعات، فلماذا لا يكون هناك شيء مشابه حول المسرح، أي دراسة أشكال العروض التي لا تدخل ولا تندرج ضمن الأطر المسرحية الغربية. ولبحث أبعاد هذا المفهوم، نظمّنا مؤتمراً دعونا إليه ما يقارب أربعين شخصاً مختصّاَ من أماكن مختلفة من العالم، وفكّرنا كيف يمكن أن نسمّي هذا العلم. هل نطلق عليه اسم Ethnothéâtrologie ؟ تناقشنا حول التسمية وهنا قرّرنا ألا تكون كلمة مسرح موجودة في جذر الكلمة وإنما كل ما يعُرض على الخشبة، فأخذنا التسمية من الجذر اليوناني لكلمة خشبة skenos، ومن هنا وُلدت تسمية ايثنوسينولوجي Ethnosénologie. ولقد مرّ على ذلك ما يقارب ٣٠ سنة.
حنان:
دعوتني إلى المؤتمر وقتها. أذكر أن جلال خوري كُلّف بالبحث في المنطقة عما يُمكن أن يندرج تحت هذا المفهوم. هل كانت هناك تتمة لأبحاث المؤتمر؟
شريف:
تماماً. جلال خوري قام بدراساته، وصارت الاثنوسينولوجي اختصاصاً جامعياً وانتشرت في كثير من الجامعات في العالم بعد ذلك المؤتمر، وافتُتحت دبلومات عنها وكذلك دراسات دكتوراه.
حنان:
لفت نظري ضمن ما قيل في المؤتمر النقاش الذي دار حول التغيّرات الفيزيولوجية التي تحصل في جسد المؤدي عندما يكون في حالة العرض، وهو شيء قريب من مفهوم “الحضور” الذي طرحه أوجينيو باربا Eugenio Barba ، ويُقصد به حالة الجسد على المسرح في اختلافها عن حالته في الحياة اليومية.
شريف:
صحيح. كان هناك اتجاه للعمل حول الممثل أو المؤدي وحضوره وتغيراته الفيزيولوجية على الخشبة، لكن مفهوم الاثنوسينولوجي لا يقتصر على ما يمسّ المؤدي، وإنما يشكل مقاربة لكل الأنواع شبه المسرحية. أخذ المفهوم بعدها عدة اتجاهات. هناك الاتجاه الأميركي الذي يشمل الهابننغ وكل ما هو أشكال مرتجلة ولا تنتمي إلى المفهوم الكلاسيكي الغربي للمسرح. وهناك أشكال مسرحية تجريبية كثيرة، وأشكال هامشية يمكن أن نصنفها على أنها اثنوسينولوجية. أنا أعتبر ذلك بمثابة تحريف للمفهوم، لكن ذلك ممكن. ولمَ لا؟ المهم هو الابتعاد عن المفهوم الكلاسيكي للمسرح الذي يتلخص بجملة “في مكان ما، في يوم ما، هناك حدث ما قد تم وينقله المسرح”.
حنان:
ما تقوله عن الاثنو سينولوجي يقترب من مفهوم آخر أوسع عن المسرح طرحته الدراسات التي ربطت المسرح بمفهوم الفرجة Le Spectaculaire، فاعتبرّت أننا يمكن أن نعرّف المسرح بأنه أي “فضاء يضم شخصاً يتفرج وشخصاً (أو شيئاً) تتم الفرجة عليه”. وبهذه الحالة أية مشاجرة في الشارع يمكن أن تُعتبر فرجة، وبالتالي تحتوي على بذور مَسْرَحَة طالماً أن هناك من يتفرج عليها. بهذا الشكل تمَّ توّسيع معنى المسرح بشكل ملموس ليشمل أشكالاً ما كانت تندرج ضمنه تقليدياَ، وبحيث صار يبتعد عن التعريف الغربي للمسرح.
شريف:
نعم أوافقِِك تماماً. مفهوم الفرجة أساسي ومحوري. أحد المشاركين في المؤتمر نسيت اسمه قدّم تعريفاً طريفاً لمفهوم الفرجة حين قال: “الاثنوسينولوجي هي عندما أرى أحد المشردين (كلوشار) يقفز من المترو!”.
حنان:
تماماً. تلك هي الفرجة ويمكن أن نقاربها من هذه الزاوية، مع كل الأسف على مصير الكلوشار!
لكن لنعد إلى موضوعنا الأول. هل أفسحتم في بيت ثقافات العالم مكاناً لما يمكن أن نعتبره “ثقافة غربية”؟ أم أن الفكرة هي الابتعاد عنها؟
شريف:
بلى الثقافة الغربية موجودة بشكل أو بآخر في برمجتنا وفي دائرة اهتمامنا. فكما يمكن أن نجد أشكالاً من الفرجة والرقص والموسيقى في أمريكا اللاتينية وإفريقيا وغيرها، يمكن أن نجد أشياء على نفس درجة الأهمية في أمريكا وأوروبا، حتى ولو ولم تَنَل ْهذه الأشكال الاعتراف بها كأشكال فرجة. اكتشفنا مثلاً في جنوب فرنسا احتفالاً سنوياً يشبه الكرنفال يسمى “مهر بيزييناس” Le Poulain de Pezenas حيث يتم الاحتفال في شوارع المدينة (وهي بالمناسبة المدينة التي ولد فيها موليير) من خلال مرور عربة يخرج منها رأس مهر يداعب المارة، وفي بعض الأحيان يرفع رقبته عالياً ليصل إلى الشرفات القريبة فيلعب معه الأطفال.. كذلك هناك في مدينة كاركاسون الاحتفال الذي يطلقون فيه الثيران في شوارع المدينة.

حنان:
الثقافة البروتونية لها خصوصية أيضاً على ما أظن، ولا شك في أنك صرت تعرفها جيداً من خلال عملك في بيت الثقافة في رين
شريف:
طبعاً منطقة بروتانيا غنية بأشكال تعبير مختلفة، لكنها ليست الوحيدة في فرنسا. في كل مناطق فرنسا هناك أشكال تعبير شعبية ظلت كما هي. هي أشكال عاشت. ولا يتم التعامل معها على أنها فن أو أشكال عروض، لكنها تشكل جزءاً من ثقافة الناس بالمعنى الواسع للكلمة.
هناك أشكال كثيرة واحتفالات عديدة يجب أن تُكتشف وتنال التقدير في العالم. وهناك أشخاص يعبّرون عن أنفسهم بطرق مختلفة تخضع لروامز خاصة تستحق أن تُسجّل حتى ولو لم تكن من أشكال العرض.
حنان:
بالمناسبة، هل تعرف لغة العصفوري؟
شريف:
لا لم أسمع بها من قبل.
حنان:
هي لغة نستخدمها فيما بيننا ضمن عائلتنا وتقوم على إضافة حرف (زاي) مع الفتحة أو الكسرة أو الضمة وراء كل مقطع صوتي من الكلمة. أنا وأخواتي وعماتي وأبناء عماتي نتخاطب بها بطلاقة كلما اجتمعنا، بل ونتكاتب بها على الواتس أب. طبعاً نستعملها للطرافة والمزاح. وأظن أن هناك عائلات أخرى في سورية ما زالت تحافظ على تلك اللغة. لكن لغة العصفوري هي كودات لغوية. في حال تعمّمت وصارت وسيلة تواصل بين مجموعة كبيرة يمكن أن نعتبرها ضمن التراث اللامادي لجماعة معينة.
شريف:
هناك دائماً كودات خاصة تنتقل من جيل لجيل بين أشخاص ينتمون لحلقة معينة، سواء تمّ ذلك على مستوى اللغة أو على مستوى الحركة، وحتى على مستوى الطقوس والعروض. هناك من يمارس هذه الكودات ويحترمها دون أن يفكر أنها جزء من ثقافة. لكن إن اتسعت الحلقة تصبح بعد ذلك ثقافة كاملة. تماماً مثل مسيو جوردان في مسرحية موليير حين اكتشف أن ما كان يقوله طيلة حياته دون أن يعلم هو النثر.
حنان:
صحيح. اتساع حلقة من يشتركون بكود معين يؤدي إلى أن تصبح الممارسة القائمة على تلك القوانين أو الكودات جزءاً من التراث اللامادي لجماعة معينة. عندما أجريت بحثاً عن لغة العصفوري وجدت أن تسمية “لغة العصافير” تُطلق على طريقة تواصل بالصفير بين أفراد قرية في تركيا اسمها قوشكوي. وقد تم تسجيل لغة العصافير هذه في اليونسكو على أنها ضمن أشكال التراث اللامادي.
أظن أن اهتمامك بأشكال التعبير التي ظلت حية منذ قرون هو الذي دفعك للعمل في حماية التراث اللامادي الذي عملت في إطاره في اليونسكو. وسنتحدث عن ذلك قريباً.