الحلقة ١٦ – ٣٠ تموز ٢٠٢١
حنان:
الكودات التي تحدثنا عنها مؤخراً، والثقافات المرتبطة بممارسات الحياة اليومية والتي تنتقل من جيل لجيل تتطلب مجتمعاً مستقرّاً. أفكّر هنا بما حصل في سورية مع اندلاع الحرب ولجوء عدد كبير من السوريين إلى مناطق بعيدة عن مجتمعاتهم الأصلية، مما سبّب زوال أشكال تعبير لا يمكن أن تُمارس إلا في حالات الاستقرار. لنأخذ “التعليلة” على سبيل المثال، وهي السهرة التي كانت تتم في الأرياف في المضافة، ويقوم فيها شخص ما بالعزف على الربابة وبارتجال قصيد وبرواية “سوالف” أمام مجموعة من الحضور. من البديهي أن التعليلة ستختفي، أو أنها اختفت بالفعل مع هجرة السوريين إلى أوروبا وتبعثرهم في بلاد مختلفة، ومثلها ظواهر كثيرة.
مع الحرب وهجرة السوريين من بلادهم، تفتت أيضاً مفهوم العائلة الكبيرة التي هي القناة التي تنتقل عبرها من جيل لجيل طريقة الكلام والأعراف والمعارف وقواعد السلوك والتصرفات، وهي التي كانت بلا شك من أسباب تماسك المجتمع في سورية في الماضي. هناك جيل كامل يعيش اليوم بعيداً عن أجداده وأعمامه وأخواله، وفي أحسن الأحوال يتخاطب معهم من وقت لآخر عن طريق الواتس أب. هذا يعني أن هناك ثقافة كاملة “سورية” تنحسر اليوم، وبشكل فجّ وغير متوقع، في حين أن هناك حالات يتم فيها التحوّل بحكم التطور الطبيعي لظروف الحياة.
ما رأيك؟ هل يمكن هكذا بكل بساطة أن نشهد اختفاء ثقافة أو موتها أو تحوّلها؟
شريف:
برأيي أن الثقافات لا تختفي حتى ولو انقطعت عن سياقها والجو المحيط بها لأنها يمكن أن تعود للحياة في سياقات أخرى. الثقافة الأرمنية ما زالت موجودة وترمّم نفسها رغم تفرق الأرمن وشتاتهم في أنحاء الأرض. فهم ظلوا بعد عشرات السنين من الشتات يتجمعون ويتكلمون بلغتهم ويتناقلونها كما يتناقلون عاداتهم.
حنان:
قد يكون كلامك صحيحاً لكن هناك عوامل أخرى تساهم في الاستمرارية أو في الانقطاع. الأرمن ظلوا يتكلمون لغتهم ويتناقلونها من جيل لجيل لأن العائلة هي القناة الأكثر أهمية في نقل تلك المعرفة اللغوية. الأمر نفسه بالنسبة للجيل الأول من السوريين الذين عاشوا في الخارج لأسباب متعددة وحافظوا على لغتهم العربية ونقلوها لأولادهم. لكننا نشهد اليوم عوامل جديدة أكبر تأثيراً من العائلة. فوسائل التواصل الاجتماعي هي التي صارت تتحكم بتكوين الجيل الجديد، ومعظمها تبث المحتوى بالانجليزية . كذلك فإن أولادنا وأحفادنا اليوم في أوروبا وفي دول الخليج بدأوا يبتعدون بشكل تدريجي عن لغتهم الأم حتى ولو تحدث معهم أهلهم بالعربية في المنزل. هناك جيل من الأطفال السوريين سيكبرون في ألمانيا وفرنسا والسويد وفنلندا وسينسون تدريجياً لغتهم الأم وعاداتهم خاصة لأن معيار قبولهم في تلك المجتمعات هو مدى اندماجهم فيها. تبرز هذه الظاهرة أيضاً وبشكل كبير في دول الخليج حيث يحتك الطفل بأشخاص من بلاد مختلفة ويتحدثون بلغات وبلهجات متنوعة. ولأن فهم كل هذه اللهجات صعب، سيكون من الأسهل على الجميع التخاطب بالانجليزية، مما جعل هذه اللغة مهيمنة.
ينطبق الأمر على الطعام. لأية درجة يمكن أن يصمد ورق العنب الملفوف والمحشي أمام الهامبرغر والبيتزا و”الفاست فود”؟ الأمهات الشابات البعيدات عن أمهاتهن وجداتهن لا يعرفن أسرار هذا المطبخ العريق والمعقّد، والأولاد يفضلون طلب الفاست فود عن طريق “الدليفري”، ولذلك سينسون بالتدريج الأطباق التي تميّز طعام أهلهم، وهي جزء من التراث المادي واللامادي.
شهدنا الأمر نفسه على مستوى الملابس. بلاد الخليج استطاعت أن تحافظ على زيها التقليدي (وهذه برأيي معجزة بالفعل)، في حين أننا في بلادنا، ومنذ ما يزيد على مئة عام صرنا نرتدي الملابس على الطريقة الأوروبية مما أدى إلى اختفاء أشياء كثيرة من كودات الملابس التقليدية.
اعذرني لأني أطلت الحديث عن هذا الموضوع لكنه بالفعل يشغل بالي ويقلقني.
شريف:
لا تقلقي. الثقافات وعناصرها وأشكال التعبير عنها يمكن أن تنام، وقد يبدو أنها تختفي، لكنها ما تلبث أن تعود للظهور بشكل أو بآخر، في موطنها الأصلي أو في بلاد هجرتها حيث تمتزج بثقافات أخرى. وأظن أن كل ذلك أقوى من الأحداث المؤقتة.
حنان:
كلامك مطمئن، وربما يفسّر هذا الامتزاج بالثقافات الأخرى تشابه بعض أشكال التعبير بين مجتمعات متباعدة جغرافياً لكنها تاريخياً كانت متقاربة في وقت من الأوقات. أفكّر هنا ببعض الأشكال الشعرية في جنوب اسبانيا والتي تقترب كثيراً في بنيتها من بعض أشكال الشعر الشعبي باللغة العربية ومن الزجل. ربما كان سبب ذلك هو الوجود العربي في الأندلس في الماضي.
سأروي لك هذه الحادثة، علماً بأني لست مختصّة بالشعر والموسيقى، وقد يكون في كلامي مجموعة من الأخطاء أعتذر عنها مسبقاً:
مرة دعا المركز الثقافي الفرنسي في دمشق فرقة تروبادور Troubadour (وهم المغنون الجوالون الذين كانوا تقليدياً ينشدون القصائد في الشارع وفي بعض الأحيان تحت شبابيك الناس الذين يرمون لهم بقطع من النقود). الفرقة كانت من جنوب فرنسا وأتت لتقدم عروضها في دمشق. اقترحتُ أنا أن ندعو معها فرقة زجل من منطقة الزبداني لأنني كنت متأكدة من وجود تشابه ما بين الشكلين. جاء هؤلاء الزجّالون ومعهم صحن الفواكه التقليدي الذي يجب أن يزين الطاولة (لا يأكلون منه، هو فقط للفرجة ومن مستلزمات العرض). جلسوا حول الطاولة، وبدأوا بارتجال الزجل مع النقر على الدف. في البداية نفى رئيس الفرقة الفرنسية وجود قرابة ما بين التروبادور (طرب الدور كما يفسره البعض) وبين الزجل بالعربية، ورفض حتى تفسير التسمية. قال لي أن أغاني التروبادور مكتوبة باللغة الأوكسيتانية، وأن الأشعار والموسيقى هي استمرار للتقاليد القوطية ولا علاقة لها بالوجود العربي في الأندلس. لكنه عندما سمع فرقة الزجل، وافقني الرأي حول التشابه في البنية الشعرية وفي الأوزان، وراح يتحدث مع أعضاء فرقة الزبداني وبدأوا يستعرضون معاً أشكال الموسيقى والأوزان الشعرية ليكتشفوا تشابهها البنيوي…
شريف:
أترين؟ الموسيقى لغة، واللغة تنتقل وتستمر وتتغتني وتعيش. اللغات لا تموت حتى ولو لم تعد مهيمنة. بعض الأشكال الشعرية الشعبية لا تموت بل تنتقل من حضارة لأخرى، وتكتسب سمات جديدة من تلك الحضارة، فتظلّ موجودة بشكل أو بآخر. هناك عمل كامل قمنا به حول تهاليل الأمهات Berceuse في العالم الإسلامي لنرى كيف تنتقل هذه الأغاني التي ما زالت موجودة ومتشابهة وتفرض نفسها كأشكال تعبير تقليدية رغم سيطرة التلفزيون والراديو. العلاقة بين الأم وابنها هي التي تحفظ هذه الأغاني وتديمها، ولم يحصل أن استُبدلت تهاليل الأمهات بما يُبث على الراديو وفي التلفزيون، أو ربما أن العكس صحيح حيث يستلهم مؤلفو الأغاني من تلك التهاليل في تسجيل بعض الأعمال. أظن أن الثقافات مرتبطة بالجسد، وهي لا تختفي بسهولة. إنها تقاوم الزمن والأحداث.
حنان:
أذكر تلك التهاليل ومن بينها أشياء رائعة قدمتها وقتها نساء من بلاد أوروبا الوسطى الإسلامية مثل أوزبكستان وكازاخستان على ما اذكر. إلى أين وصل هذا المشروع؟
شريف:
قمنا بتسجيل وإصدار مجموعة أسطوانات مدمجة حملت عنوان “التهاليل في العالم الإسلامي”، وهي جميلة جداً. لكن هذه الأسطوانات لم تنشر للأسف. عندي أنا نسختين فقط.
حنان:
أذكر أن هذا المشروع كان ضمن مشروع أكبر لتأسيس مركز عن الموسيقى في بلاد الإسلام برعاية هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث؛ وأن المسؤول عن تلك الهيئة كان إنساناً رائعاً هو زكي نسيبة. قال لنا وقتها إن عائلة نسيبة الفلسطينية المسلمة تحتفظ حتى اليوم بمفاتيح كنيسة القيامة، ويتولى أفرادها مهمة فتح أبواب الكنيسة وإغلاقها. تلك أيضاً من التقاليد الجميلة التي يجب ألا تضيع.
هل ما زلت على تواصل معه؟ لا بد أنه يعرف ما حصل لهذه الأسطوانات.
شريف:
نسيبة صديقي وما زلت ألتقي به وقد صار وزيراً ومستشاراً في الإمارات. المشكلة أن الهيئة كلها لم تعد موجودة. ولذلك توقف مشروع مركز الموسيقى كله بما فيه تسويق أسطوانات تهاليل الأمهات.
حنان:
طالما أننا نتحدث عن الإمارات، ما رأيك بهذه الظاهرة التي حصلت مؤخرا مع انتقال مركز الثقل الثقافي نحو بلاد الخليج، في حين أن العواصم العربية التي كانت تقليدياً مراكز هامة للثقافة والفنون فقدت بريقها وتراجعت أهميتها مع اشتعال الحروب والمشاكل فيها.
شريف:
لا أعرف كيف صار الخليج اليوم. مع ذلك أجد أن تلك ظاهرة غاية في الأهمية. أنا عرفت الإمارات قبل فترة طويلة جداً تعود إلى الثمانينيات حين أرادت اليونسكو أن تقوم بمشروع بناء متحف في الامارات، وكنت في البعثة مع جورج زوين Georges Zouain حيث كُلفّنا بالبحث عن مكان إقامة هذا المتحف، وتحديد البلاد التي يُمكن أن تهتم بذلك. ذهبنا إلى أبو ظبي وإلى قطر وإلى الكويت أو البحرين في فترة كانت فيها تلك البلاد ما تزال بلا طرقات. لا شيء سوى الرمل. بعض البيوت، ولا شيء آخر سوى الرمل. تساءلنا وقتها من سيهتم بهذا المتحف؟ كانت لدينا المخططات والتصور، وكل شيء، لكننا شعرنا أن المشروع لا يمكن أن يتم. عدنا أدراجنا وقدمنا تقريراَ طويلاً عن الموضوع. تغيرت الأمور بعدها كثيراً.
حنان:
طبعاً تغيَّرَت. اليوم تجد متحف اللوفر وغوغنهايم في الإمارات بالإضافة للمتاحف الرائعة القطرية الموجودة في الدوحة. أذكر أنني في عام 2008 زرت بيينالي الشارقة ورأيت فيه أهم الأعمال التشكيلية المفهوميةConceptuelle والمينيمالية Minimaliste . تساءلت يومها، لمن تتوجه هذه الأعمال؟ ومن هو جمهور بيينالي الشارقة؟ هل يتوجه للمقيمين من الأجانب فقط؟ وما الفائدة من ذلك في هذه الحالة؟ اليوم تغيّرت نظرتي نوعاً ما بعد أن عشت في قطر. صحيح أن غالبية المواطنين في دول الخليج يعملون في مجال الإدارة والتجارة، ولا تدخل الفنون ضمن دائرة اهتمامهم، إلا أن هناك جيل جديد من الفنانين الشباب بدأ يفرض وجوده في السينما وفي المسرح، وأعرف عدداً من الفنانين التشكيليين من دول الخليج لديهم قوة تعبير تلفت الانتباه، مما يعني أن انزياح مركز الثقل الثقافي نحو الخليج قد أتى ثماره. بعد عشرين سنة قادمة، ومع التعليم والاهتمام والانفتاح على “ثقافات العالم”، سنرى نتائج مختلفة وإيجابية للغاية.
شريف:
تماماً. هذا يعني أن البنية التحتية والجو المحيط يفيد في تهيئة الكفاءات. ووجود هذه المعالم الثقافية والفنية قد أدّى إلى خلق الاهتمام لدى الشباب من هذه البلاد. وربما يفتح ذلك أمامهم آفاقاً جديدة.
وربما يحتاج ذلك لمزيد من الوقت.
حنان:
من الجيد أن تقوم تلك البلاد باستثمار الأموال في تأسيس بنية ثقافية جديدة، في حين أننا في بلادنا ضيّعنا للأسف كنوز الثقافة العريقة.
أظن أن السياسة الثقافية التي تضعها حكومة ما يمكن أن توجّه الذائقة العامة على المدى الطويل سواء في بلاد الخليج أو في أوروبا. أذكر النقاش الذي واكب تأسيس متحف كاي برانلي في فرنسا، ومدى تأثيره على تنبيه الفرنسيين لجماليات تلك الثقافات، وفي توجيه الحساسية العامة نحو تذوّق وتقبّل فنون أخرى مختلفة عن السائد في تلك البلاد. الأمر نفسه بالنسبة لبيت ثقافات العالم أو لمعهد العالم العربي.
شريف:
صحيح تماماً ما تقوليه عن دور السياسة الثقافية في توجيه الذائقة العامة. لكني أريد أن أعود لكلامك عن المقاربة الكولونيالية لثقافات العالم الثالث. هذه المؤسسات مثل بيت ثقافات العالم ومتحف كاي برانلي ليست استمراراً للحلم الكولونيالي. على العكس هي مؤسسات مُعاكسة للمقاربة الايكزوتيكية للثقافات الأخرى. إنها تُبرز ما في هذه الثقافات من أشياء غنية وذات خصوصية، وما قدّمته هذه الثقافات للثقافة الغربية. كل نشاطاتها تذهب في هذا الاتجاه. الفنون التشكيلية بشكل خاص نالت حصة كبيرة من اهتمام هذه المتاحف، على العكس من المسرح والعروض. هناك كثير من النحّاتين والرسّامين والمصوّرين الذين اكتشفناهم بهذه الطريقة. لقد رأينا على سبيل المثال تأثير موسيقى الشعوب مثل موسيقى أمريكا اللاتينية وآسيا والإيقاعات الإفريقية وغيرها على الموسيقى الغربية، وكيف أغنتها. هي مقاربة الند للند. عندما نذهب لحضور حفل موسيقى كورية لا نذهب مع فكرة مسبقة سيئة، على العكس نذهب لاكتشاف هذه الموسيقى.
من اربعين سنة قدمّتُ في باريس للمرة الأولى أناشيد البانسوري Pansoriالكوريّة، وكنت أتوقع أن أجد في القاعة عشرين أو أربعين شخصاً فقط. تفاجأت بوجود عدد كبير جداً فاق المتوقّع. المعجبون بتلك الموسيقى وجدوا فيها أشياء جديدة. في البداية كان عدد المهتمين قليلاً ثم صارت الموسيقى الكورية شعبية ويحبها الشباب كثيراً. كل ذلك يساهم بوجود اختلافات أقل بين الثقافات، وبتغذية التعطش إلى معرفة الثقافات الأخرى. وربما يصعّب ذلك العمل على من أتوا بعدي في بيت ثقافات العالم حين يبحثون عما يُدهش. الاهتمام صار كبيراً بهذه الثقافات حتى صارت مألوفة.