الحلقة ١٧ – ٢٠ آب ٢٠٢١
حنان:
هناك مفاهيم مفتاحية تنطلق من وعي معين بدور الثقافة في بناء علاقات المواطنة بين الناس داخل البلد الواحد، وبين الشعوب على المستوى العالمين وأعطي كمثال عنها مفهوم حوار الثقافات Dialogue des cultures أو المثاقفة Interculturel. في كثير من الأحيان تشكّل هذه المفاهيم منطلقاً لصياغة سياسات ثقافية، بل ولصياغة السياسات الداخلية والخارجية في دولة ما؛ وغالباً ما تترافق أيضاً بأدبيات تروّج لها وبقرارات تفرضها وعلى الأخص عند تمويل المشاريع الثقافية على المستوى الإقليمي والدولي.
أحياناً يمكن لهذه المفاهيم أن تتعارض أو تتعاكس بشكل أو بآخر. لنأخذ على سبيل المثال مفهوم التنوع الثقافي Diversité culturelle الذي يقوم على احترام تمازج الثقافات في المجتمعات التي تتميّز بتعددية مكوناتها، ومفهوم آخر معاكس يولّد مبادرات تقوم على حماية خصوصية الثقافة في بلد ما من طغيان الثقافات الرائجة. أتحدث هنا عن مفهوم الاستثناء الثقافي Exception culturelle الذي طرحه شيراك على ما أظن. جاك شيراك أم جيسكار ديستانغ؟
شريف:
لا. من طرحه هو ميتران.
حنان:
أذكر أن إطلاق مفهوم الاستثناء الثقافي كان بهدف حماية المنتج الثقافي الفرنسي وعلى الأخص السينما من طغيان النموذج الأميركي. كان على الإذاعة أيضاً أن تعمل على أن تكون٤٠٪ من الأغاني التي تبثها فرنسية؛ والتلفزيون مُلزم بأن تكون ٦٠٪ من الأعمال التي يبثها فرنسية (وفيما بعد صارت أوروبية).
على صعيد آخر تماماً أذكر أن سلسلة مطاعم ماكدونالد ظلت ممنوعة لفترة طويلة في فرنسا من أجل حماية المطبخ الفرنسي من سيطرة الفاست فود (والمطبخ هو ثقافة أيضاً).
ذلك يعني أن الدولة يمكن أن تكون لديها سياسة ثقافية واعية ومدروسة لحماية المنتج الثقافي ولدعم توجّه ثقافي ما. وقد فتح ذلك عيوني على أهمية السياسات الثقافية التي تضعها الدولة.
شريف:
أنت محقة بالفعل لأن هذه القرارات كانت جزءاً من سياسة ثقافية مدروسة. ويجب أن أذكر أنمجيء ميتران إلى سدة الرئاسة في فرنسا كان بداية انفتاح على ثقافات العالم. مجيئه كان بمثابة نفحة هواء منعش للثقافة التي زادت ميزانيتها واغتنت بتظاهرات ثقافية هامة. فقد تم تأسيس قسم الشؤون الدولية، وتلك كانت مبادرة هامة جداً تدل على الاهتمام باستقبال الثقافات الأجنبية. شيراك تابع هذه الطريقة أيضاً في دعم الثقافة لأنه كان رئيساً منفتحاً على الثقافات الأجنبية.
لكن يجب أن نذكر أن المعطياتتتغير من فترة لفترة ويجب تحليل تأثيرها. لقد كان من الضروري الدفاع عن الاختلاف والتنوع في زمن راحت العولمة فيه تمحي الفروق وتفرض صفات ثقافية شبه مشتركة. أذكر هنا جملة بول فاليري الشهيرة: “دعونا نجمع معاً أفضل ما لدينا، ونغتني من الاختلافات الموجودة بيننا”.
Mettons en commun ce que nous avons de meilleur et enrichissons nous de nos mutuelles différences.
نعم الاختلاف يغني!
حنان:
في الفترة التي أتحدث عنها، كان يجب تحقيق التوازن بين الترويج للتنوع الثقافي الذي ينبع من تعددية المكونات العرقية والدينية والثقافية في فرنسا بسبب ماضيها الكولونيالي، وبين حماية المنتج الثقافي المحلي من طغيان النموذج الاستهلاكي والاستسهالي الذي تمثله الثقافة الأميركية. للأسف، في بعض الأحيان يمكن للاختلاف أن يكون مخيفاً للحكومات لما يحمله من أبعاد سياسية، ولذلك تقوم بطمس كل ما يمت لثقافة محلية بصلة، خاصة مع وجود محاولات للانفصال كما كان الحال بالنسبة لثقافة الباسك والبروتون في فرنسا.
في سورية، كان الأكراد يحتفلون بعيد نوروز في ٢١ آذار في ضاحية دمشقية، ويترافق ذلك بكثير من الموسيقى والأغاني والألوان الفرحة والزهور التي تضعها الفتيات على رؤوسهن. لكن هذا العيد كان ممنوعاً على الصعيد الرسمي بسبب الوضع السياسي والعلاقة المتوترة بين العرب والكرد.
في بعض الأحيان، السياسة تخاف من الاختلاف… وتخاف من الثقافة.