الحلقة ١٨ – ٢٥ تشرين الأول ٢٠٢١
حنان:
الأشكال الغريبة والمختلفة التي قدمتها في دار ثقافات العالم، هل وجَدَت لها فيما بعد مكانة مكرّسة ودائمة في فرنسا؟ وهؤلاء الفنانين الذين تمت دعوتهم ليقدموا عروضهم في الدار، هل حصل أن عادوا من جديد ليعرضوا في فرنسا، أم أنها كانت مرحلة عابرة بالنسبة لهم وانتهت؟ لا شك في أن تأثير تلك التجربة كان كبيراً عليهم.
شريف:
من بين الذين استضفناهم، هناك من عادوا إلى بلادهم وقراهم وتابعوا العمل فيها طالما أن الأشكال التي يقدمونها ظلت حية ولم تمحِها المنظومة العامة. وهناك الذين اختاروا البقاء في أوروبا، وهم قلائل. لكن بشكل عام، معظم الذين بقوا في أوروبا هم من ينتمون بالأصل إلى الثقافة “الغربية”. بعض الموسيقيين من أمريكا اللاتينية على سبيل المثال بقوا في فرنسا ووجدوا عقود عمل. كذلك الأمر بالنسبة للفنانة السورية وعد بوحسون التي ظلت في فرنسا بعد تقديم عروضها لدينا، ودرست ونالت الدكتوراه في علوم الموسيقى، وصارت موسيقية مكرّسة على الصعيد الأوروبي. لكنها تظل حالة استثنائية بالنسبة للبعض. أنا فخور بأن بعض الأشكال التي قدمناها في دار ثقافات العالم تم إنقاذها من الزوال من خلال دعوتها إلى الغرب.
على سبيل المثال أذكر الماريونيت الهندية ياكاشايانا (yakshagana) التي كادت تنقرض. لقد استطعنا أن نساعد على بقاء هذا الشكل من الدمى والعروض الغنائية التي فيه، وذلك من خلال دعوة عروضه إلى فرنسا. وقد كتبتُ عن ذلك عدة مرات. هناك حالات استطعنا فيها أن نُعطي لبعض الثقافات شرعية واعترافاً في بلادها الأصلية.

اليوم صار الوضع أسهل لأن مفهوم التراث اللامادي سمح بحماية هذه الأشكال وإعطائها الحق الشرعي في أن تظل موجودة ولا تضيع. بالمقابل، هناك عدد كبير من العروض التي دعوناها وكان يمارسها عدد قليل من الناس واختفى بعض الذين كانوا يقدمونها، فساعدنا على بقاء الآخرين. نأمل أن نكون قد أثرنا وعياً بأهمية هذا التراث اللامادي الذي يكرّس غنى ثقافات العالم.
لقد اكتشفت من العروض التي قمتِ أنتِ ببرمجتها أثناء احتفالية دمشق عاصمة الثقافة العربية فناناً من الجزيرة السورية هو ابراهيم كيفو يعزف البزق والطنبورة ويغني بعدة لغات منها العربية والكردية والأرمنية والسريانية. دعوتُه إلى باريس وقدم حفلات ناجحة والتقى بأصدقاء له وبقي وعاش في ألمانيا وصار يقدم حفلات موسيقية في كل أنحاء أوروبا. استطاع ابراهيم كيفو أن يعرّف بجمال وتنوع اللغات والموسيقى الكردية والعربية في الغرب. هناك أمثلة أخرى تشجع من يأتوا بعدي على متابعة هذا النوع من النشاط.
حنان:
ربما صار ذلك ممكناً اليوم مع وجود عدد كبير من جاليات المهاجرين الذين استقروا في أوروبا، والذين يُقدّمون من وقت لآخر حفلاً يسترجعون فيه موسيقاهم الأصلية في بلاد الغربة.
لكنني أود أن أسألك بهذه المناسبة: هل تظن أن اتساع موجة الهجرة وتدفق اللاجئين من سورية وافغانستان وأوكرانيا، أدّيا إلى حصول تغيّر في الموقف الأوروبي حيال ثقافات العالم؟ هل ما زال لدى الأوروبيين الفضول نفسه الذي كان في فترة مهرجان الفنون التقليدية في رين وعروض بيت ثقافات العالم؟ أم صارت لديهم اليوم مخاوف جديّة من أن تطغى هذه الثقافات على الثقافة الأوروبية.
شريف:
لا لا يوجد هذا الخوف لأن عدد الفنانين من ضمن المهاجرين واللاجئين يظل قليلاً، ولن تطغى ثقافتهم على الثقافة الأوروبية.
حنان:
أنا لا أتحدث عن الفنانين وتأثير ثقافتهم على ثقافات العالم. الفنانون حالة خاصة ويشكلون غنى للمجتمعات التي يعيشون فيها حتى ولو لم تكن مجتمعاتهم الأصلية. تلك حالة “مدرسة باريس” التي تكوّنت في أساسها من فنانين اسبان وروس أقاموا في فرنسا. أتحدث عن المهاجرين بشكل عام، وعلى الأخص المسلمين منهم، مع كل ما نلاحظه اليوم من تخوّف الأوروبيين، وعلى الأخص اليمين المتطرف، من اجتياح “المسلمين” لأوروبا. هذا هو النقاش الكبير اليوم مع اقتراب الانتخابات.
شريف:
صحيح أن هناك نقاشاً كبيراً في الوقت الحالي حول هذا الموضوع، وسنعرف بعد الانتخابات كيف سيكون الوضع. لكن يجب أن نقول إن شعور بعض المحافظين بالخطر من قدوم اللاجئين يتأتى من كون الناس القادمين من بعيد يميلون إلى التجمع في بعض الأحياء وفي بعض المدن الصغيرة حيث يمارسون عادات مختلفة على مستوى الاحتفالات والطبخ. هذا يمكن أن يخيف من لا يحمل ذلك الكرم في تقبل الاختلاف. لكن على الرغم من أنه يبدو أن أعداد هؤلاء تتزايد مع كل موجة هجرة جديدة، إلا أن عددهم يظل قليلاً بالنسبة لسكان البلد. مع ذلك، أظن أننا سنصل مع كثرة المهاجرين إلى حالة تشبه الولايات المتحدة، وفي فرنسا التي كانت فرنسية بحتة Franco-française، صار هناك تنوّع، مع كل ما يحمله هذا التنوع من أشياء سلبية وإيجابية. فرنسا لم تعد كما كانت قبل عشر سنوات.
صحيح أن هناك علاقة طردية بين ازدياد الهجرة وبين تزايد قوة اليمين لأنه يبث خطاباً يخوّف من المهاجرين، إلا أنني واثق أن الخوف من المهاجرين سيخف مع الوقت.
ولا ننسى أن هناك شباب ولدوا في هذه الأجواء ولا يبحثون عن البقاء معزولين. بل هم قادرون على أن يتأقلموا ويذوبوا في المجتمع. من لم يتأقلم يشكّل حالة استثنائية. مثلما حدث في الولايات المتحدة مع المهاجرين من أمريكا اللاتينية حيث كان الهجرة كبيرة، لكن هؤلاء ذابوا في المجتمع.
حنان:
لا أعرف إن كان ذوبان المهاجرين تماماً في المجتمع أمر إيجابي وجيد، لأن ذلك يعني فقدان هوية. بل فقدان هويات كاملة، وانحسار لغات، وهذا ليس بالأمر السهل. ربما لا نستطيع أن نقف في وجه تلك الظواهر. هناك جزء من الأجيال الجديدة من المهاجرين سيستطيع الذوبان في المجتمع، وعلى الأخص الأطفال الذين درسوا في مدارس أوروبية، وهناك في الموقع المعاكس من سيستمرون في ممارسة طقوسهم وعاداتهم بشكل مستفزّ، وسيولّد ذلك صداماً بلا شك كما يحصل في فرنسا في الضواحي.
شريف:
ستتغير الأمور. ظواهر العنف التي تحصل في الضواحي حالات طارئة، وهناك أجيال جديدة ولدت في هذه الأماكن ولا ترغب بالانعزال، وهي تعمل مثلها مثل الفرنسيين. انظري إلى التلفزيون: معظم أسماء الصحفيين والمراسلين ومعدي البرامج في فرنسا هي أسماء ليست من أصول فرنسية. معناها أن هناك جيل كامل قد اندمج، وهناك أيضا من لم يندمج. لكن من المؤكد أن الجيل القادم ستكون حالته مختلفة.
الايطاليون كانوا مهاجرين لكنهم اندمجوا تماما في المجتمعات التي عاشوا فيها قبل قرن من الزمن.
يجب أن نترك الزمن للزمن.