الحلقة ١٩ – ١٥ كانون الثاني ٢٠٢٢
حنان:
هل هناك حوادث طريفة مرت بك أثناء عملك في بيت ثقافات العالم، ثم في إطار بحثك عن أشكال التراث اللامادي لصالح اليونسكو؟
شريف:
لا شك في ذلك لأني سافرت إلى بلاد مختلفة في هذا الإطار، وفي كل مرة كانت الظروف تخبئ لي بعض المفاجآت. أذكر مثلاُ عندما سافرت إلى سلطنة بروناي بحثاً عن مواضيع تستحق التسجيل في قائمة التراث اللامادي، كان في استقبالي فيها ممثل الأليانس الفرنسية والملحق الثقافي في السفارة الفرنسية هناك. بروناي بلد صغير جداً ومغلق ومحافظ، ولم نجد فيه وقتها أي شيء يستحق التسجيل. فكرت أنه لا بد من وجود بعض التقاليد الخاصة والاحتفالات الشعبية. ذهبت إلى وزارة الثقافة وسألت عمّا لديهم من تقاليد وأشكال موسيقية. قال لي مدير الثقافة: هناك تقاليد خاصة تظهر في الأعراس. ولأنه ما كان هناك وقتها عرس يمكن أن نحضره، اقترح أن يخترع عرساً ويمثّل فيه هو دور العريس. وبالفعل أحضر موسيقيين وراقصة وفرقة كاملة، ونظّم لنا عرساً جميلاً كان طبيعياً جداً وبدون أي إخراج. كان ينقصه فقط وجود مأدبة العرس التقليدية. أما بقية الأشياء فكانت كلها موجودة.
حنان:
ما يستحق التسجيل في التراث اللامادي للإنسانية هو هذه المبادرة من مدير الثقافة. بساطة الناس واستعدادهم للمساعدة بما لديهم من إمكانيات شيء يمكن أن تفتقده البشرية بعد فترة.
وماذا عن البلاد العربية؟ هل بحثت فيها عما يستحق التسجيل في قائمة التراث؟
شريف:
سافرت إلى كثير من البلاد العربية. أذكر بكثير من المتعة رحلتي إلى ليبيا بناء على دعوة من اليونسكو. تصادف أن أحد أولادي كان ينظم مهرجاناً حول الموسيقى التقليدية هناك. سافرت إلى جنوب ليبيا فرأيت قرية رائعة أمضيت فيها اسبوعاً كاملاً رغم أني لم أكن أعرف أحداً. تم استقبالي بشكل جيد جداً من قبل الناس وقاموا بتحضير كل ما أرغب برؤيته بعناية. للأسف لم يتحقق المشروع.
حنان:
أعرف أنك ذهبت إلى السعودية من زمن بعيد كانت فيه مُغلقة أمام العالم الغربي. كان ذلك قبل أن تُدهش الناس اليوم بانفتاحها المفاجئ. حدثتني مرة عن أشياء هامة ومثيرة رأيتها هناك. هل تذكر؟
شريف:
طبعاً أذكر. تمت دعوتي مرة إلى السعودية لأقدم عرضا في مهرجان الجنادرية. خالد الفيصل ابن الملك فيصل كان قد كتب أوبريت عنوانها “التوحيد” وتحتوي على موسيقى وغناء، وطلب مني أن أخرج تلك الأوبريت لمهرجان الجنادرية. ذهبت إلى السعودية ورأيت كل أشكال الموسيقى والرقص، وكان عليّ أن أختار. قمت بجولة وألقيت محاضرات في النوادي في رياض وفي جدة. أثناء ذلك ومن خلال الحوار كانت تتكشف أمامي أشكال وظواهر شبه مسرحية ظلت قريبة من أصولها ومؤثراتها الإفريقية. من هذه العروض التي حضرتها ما كان يصل إلى حد التشابه مع الزار الافريقي. كانت نوعاً من الفولكلور غير المشغول، وهو ما كنا نبحث عنه في بيت ثقافات العالم. سألت إن كان من الممكن دعوة الفرقة التي قدّمت ذلك العرض إلى باريس، وتم ذلك بدعم من خالد الفيصل. وبالفعل قمنا بتسجيل اسطوانة، وجاءت الفرقة إلى باريس وقدّمت عرضاً مدهشاً.
هناك أيضاً في جنوب السعودية في قرية رجال ألمع قبيلة من الرجال الذين يتزينون بالورود كنت أود دعوتهم لفرنسا.

حنان:
ليتك فعلت. قلائل هم الذين يعرفون هذه التقاليد. ومن المذهل أن تجد هؤلاء الرجال يتزينون بالورود. أثار الأمر فضولي، وبعد البحث في غوغل وجدت معلومات رائعة. فالزهور التي يضعها الرجال من كافة الأعمار لا تُستخدم فقط لجمالها، وإنما لفوائدها العلاجية، إذ يسمح وضعها على الرأس باستنشاق رحيقها الشافي من آلام الصداع. الرجال يختارون الزهور حسب ألوان لحاهم، أو يصبغون لحاهم لتتناسب مع ألوان الزهور، في حين تقوم النساء بضفر أكاليل الزهور بأيديهنّ.
ربما كنت أنت أول من اكتشف هذه الظاهرة. كيف استطعت الوصول إلى ذلك؟
شريف:
الحقيقة أني استفدت من دعم خالد الفيصل الذي كان محافظ عسير وقتها. كان رجلاً محافظاً لكنه منفتح للغاية، وتلك الأشياء كانت مقبولة بالنسبة له.
حنان
إطلاق فكرة التراث اللامادي للإنسانية سمح بالعثور على أشياء غير معروفة وغير متوقعة في أنحاء العالم. هل وجدت أشياء أخرى فريدة من نوعها في السعودية ؟

شريف:
طبعاً سمح لي وجودي هناك أن أرى أشياء رائعة في محافظة عسير. رأيت بيوت عسير والتزيينات الداخلية في تلك البيوت. وقد تم تسجيلها فيما بعد في قائمة التراث اللامادي لليونسكو.



حنان:
أعرف هذه التزييّنات من بحث قرأته كان يحتوي على معلومات عن فن “القط” العسيري أو “الزيّان”. هناك ألوان مذهلة ليس فقط في الخارج وإنما أيضاً في الداخل حيث تقوم النساء بطلاء الجدران وتلوينها بطريقة عفوية غاية في الروعة. ففي حين يتولى الرجل بناء وصيانة المنزل من الخارج. تتجمع النساء وتتساعدن في رسم الزخارف. صاحبة البيت هي التي تختار الألوان وتطلب من القريبات والصديقات المساعدة في تلوين المساحات المقررة. أتمنى أن أستطيع في يوم من الأيام رؤيتها عن كثب.
لكن قل لي: هل قمت بإخراج تلك الأوبريت في النهاية؟.
شريف:
نعم. اخترت من جميع الرقصات وأنواع الغناء ما يتماشى مع رؤيتي للعرض الذي اختاروا أن يسموه في السعودية “أوبريت” مع أن التسمية مختلفة عن المعنى الغربي للكلمة. الأوبريت التي أخرجتها كانت حجّة لتقديم كل أنواع الموسيقى والرقص في السعودية.
حنان:
هل زرت مناطق أخرى في الخليج؟
شريف:
بحثت عن أغاني الباحثين عن اللؤلؤ في البحرين وفي قطر. تلقيت دعوة رسمية من الدولة في قطر، لكن ما قدّموه لي وقتها كان رقصات فولكلورية. قلت لهم ليس هذا ما أبحث عنه.
حنان:
هذا مؤسف لأن التراث القطري غني. شاهدتُ في كثير من العروض المسرحية مقاطع من فن “النهمة” أي الغناء الذي يؤديه “النهّام” بصوته الشجي والقوي داخل السفينة لتشجيع الغواصين وتسليتهم في رحلة الغوص الطويلة. المشكلة أن هذه الفنون لم تعد حيّة ولا نراها إلا في نطاق العروض كمحاولة لاستعادة وحفظ التراث. لقد اقتُطعت من سياقها مع زوال مهنة الغوص ومع كل التحولات التي طرأت على الحياة في قطر بعد الدخول في عصر النفط.
شريف:
ربما ضيعّنا فرصة ثمينة وقتها. ربما كان من الممكن اللقاء بالأشخاص الذين كانوا يقومون بالغناء في السفن وما زالوا أحياء. كنت أريد أن أرى هؤلاء بالذات وليس من يؤدي أدوارهم. كنت أبحث عن الهوية في مكان آخر، ولذلك عدت ادراجي دون ان أجد شيئاً. ربما كان يجب أن يتم البحث بطريقة أخرى.
حنان:
أعرف ذلك. ليس من السهل أن تشرح للناس هذه النقطة. أذكر أنك طلبت مني أن أجد لك في سورية أشكال عروض تختلف عن الرقصات الفولكلورية التي تقدمها فرق الفنون الشعبية ولم أجد. لم أجد الأشخاص الذين يمارسون التراث بشكل عفوي، وإنما فرقاً تعيد تقديم التراث بشكل مشغول، لم يكن هذا ما تبحثان عنه أنت وفرانسواز. تختفي هذه الظواهر مع الدخول في الحياة الحديثة.
شريف:
نعم للأسف. بالإضافة لذلك، فإن البحث عن هذه الظواهر يحتاج دائماً لوقت طويل وللنبش في حياة الناس أنفسهم.
في إيران، وخاصة في الجزء العربي منها رأيتُ أشياء هامة جداً وغنية.
حنان:
ما هي أكثر تجربة تطلبت منك جهداً لتتحقق؟
شريف:
أذكر أن الحكومة الفرنسية رغبت بتنظيم سنة خاصة بالهند بالاتفاق مع رئيسة الوزراء وقتها أنديرا غاندي. كان ذلك في عام 1985 في عهد ميتران، طلبوا مني أن أفعل شيئاً بهذه المناسبة نظراً لأني كنت أعرف الهند بشكل جيد وسافرت إليها عدة مرات. وبالفعل قمنا بتنظيم مأدبة من المأكولات الهندية امتدت من ساحة تروكاديرو تحت برج ايفل وحتى قصر شايو. استعرنا كعنوان لهذه المناسبة كلمة تعني العيد والتجمع الكبير في الهند. أطلقنا على الاحتفالية اسم Mela de l’Inde.
حنان:
كالعادة بحثتُ في موقع بيت ثقافات العالم عن صور عن هذه المناسبة، ووجدت هذه الصورة:

حنان:
كيف قمت بالتحضير لهذا العيد؟
شريف:
بحثتُ عن الفرق التي كنت قد رأيتُها في الهند في الماضي وقدمتُها في دار ثقافات العالم، وعدّتُ إلى الهند لأبحث عن فرق جديدة. كان هناك شخص هندي مكلف بالحفاظ على التراث ذهبت معه إلى القرى بحثاً عن أرشيف صوتي فأخذني إلى بعض الأماكن في شمال شرق الهند كانت ممنوعة على الغرباء. ذهبت إلى هناك وكنت الغريب الأول الذي يدخل إلى المنطقة بعد ذهاب الانجليز.
حنان:
يعني أنها كانت مغامرة؟
شريف:
كنت محميّاً في تلك الرحلة، وكان هناك مستقبلين لي في كل المناطق. وبالفعل دعوت فرقة من ناغالاند وقدمتها في أوبرا باريس.
حنان:
ناغالاند!؟ ناغالاند معروفة بأنها منطقة قاطعي الرؤوس. ألم تخف من الذهاب إلى هناك؟ كانت مغامرة بالفعل.
شريف:
طبعاً مغامرة. لكننا استطعنا أن نحضر عدة مئات من الفنانين، ودام الاحتفال بالهند لفترة طويلة حتى تم اغتيال أنديرا غاندي. أذكر أني كنت في الهند وقتها وكان الوضع شديد التعقيد والصعوبة.
بالمقابل، بعد نجاح تلك الاحتفالية اتُخذ القرار بالقيام بعيد كبير فرنسي في الهند، وطلبوا مني أن أجد أشكالاً من العروض الفرنسية تصلح للتقديم في الهند. طلبت من الشخص الذي رافقني في الهند أن يذهب معي لنبحث معاً في المحافظات الفرنسية، وقد سمح لي ذلك أن أكتشف في فرنسا أشياء طريفة وفريدة من نوعها وغريبة لا يعرفها معظم الفرنسيين أنفسهم؛ من بينها مهر بيزينياس الذي حدثتك عنه من قبل، والذي يجوب شوارع المدينة ويرتفع برقبته إلى الشرفات القريبة.
عندما عرضنا على وزارة الخارجية أن تأخذ دمية الحصان مع الأشخاص الذين يحملونه إلى الهند، اندلع نقاش حاد بيني وبين ممثلي الوزارة الذين رفضوا دعم الأشكال التي اقترحتُها بدعوى أن الذين يقومون بها ليسوا فنانين، وأنها لا تقدم صورة عن الفن الفرنسي. كانوا يريدون أن يقدموا فرقة باليه أوبرا باريس في الهند. تمسكّت أنا برأيي وتناقشنا مطولاً، وفي النهاية أرسلنا الحصان.
المهم أننا نجحنا في تحضير ذلك العيد الكبير، وقد رأيتُ الفيلم الذي تم ّبثه في التلفزيون الهندي وكانت فيه أشياء مدهشة.
كل ذلك يدل على أن اهتمامي بالتراث في فرنسا يعادل اهتمامي به في أنحاء العالم.
حنان:
تأثير سنة الهند في فرنسا كان كبيراً وتجاوز الحدود الزمنية المقررة له. لم أكن أعرف بيت ثقافات العالم وقتها ولا أنك كنت المسؤول عن تلك الاحتفالية، ولا كان عندي علم بأي شيء مما تذكره. لكنني أذكر أنه في عام 1985، كل شيء في فرنسا اكتسب ألوان الهند حتى بعد انتهاء الاحتفالية، بدءاً من البخور الذي صار رائجاً في كل مكان، وزيوت الشعر الهندية التي احتلت رفوف محلات التجميل، والأطعمة بالكاري في المطاعم الفرنسية، وصولاً إلى الساري الهندي بألوانه الرائعة على أكتاف الفرنسيات. في تلك السنة قدم بيتر بروك في مهرجان أفينيون ملحمة الماهاباهاراتا وحضرتُها في مقلع للحجارة قرب أفينيون من السابعة مساء وحتى السابعة صباحاً في عرض ساحر. سمح لي ذلك أن أغيّر فكرتي عن بلد كانت صورته عندي مرتبطة بالأفلام الهندية الباكية التي كنت أكرهُها وبمشاهد الاستحمام في نهر الغانج التي لا تُشجع كثيراً. الاحتفال بالهند في فرنسا غيّر نظرتي إلى تلك الثقافة. أنا مثال على تأثير قرارات السياسة الثقافية على حساسية الناس وطريقة رؤيتهم للأمور.