الحلقة ٢٠ – ٢٥ شباط ٢٠٢٢
حنان:
أنت عملتَ مع اليونسكو لفترة طويلة، وتشغل حالياً منصب رئيس اللجنة الوطنية الفرنسية في اليونسكو، وهو منصب هام للغاية ويبتعد عن المسرح وشؤونه. كيف وصلت إلى ذلك؟ هل يعود السبب إلى ما قمت به في بيت ثقافات العالم؟
شريف:
لا. علاقتي باليونسكو بدأت قبل ذلك بكثير، وتمّت في البداية عن طريق جامعة مسرح الأمم وعن طريق المعهد الدولي للمسرح ITI الذي كان جزءاً من منظمة اليونسكو. كنت أحضر المؤتمرات والدورات التي تقيمها المنظمة، وكنت أشارك في اللقاءات مثل لقاء حول المسرح والسينما العربيين في بيروت. وقد ذكرت لك أنه تم تكليفي من قبل اليونسكو بتأليف كتاب عن المسرح العربي.
حنان:
لكن ذلك أوصلك لأن تشغل منصباً رسمياً في اليونسكو. ليس عادياً أن تكون ممثّلاً عن اللجنة الوطنية الفرنسية في المنظمة، وأن ترأسها. هل يمكن أن تشرح لي بنية اللجان في المنظمة؟
شريف:
في اليونسكو هناك لجنة وطنية لكل بلد من الدول الأعضاء. وكانت فرنسا في السبعينات قد اختارت لجنتها الوطنية بعد اجتماعات مطوّلة بحيث تضم مدراء المؤسسات الثقافية وبيوت الثقافة وممثلي المهن الثقافية ومدراء المسارح. وكل هؤلاء يتم انتخابهم انتخاباً من قبل زملائهم في المهنة نفسها. منذ الاجتماع الأول في 1974، ولأني كنت أدير بيت الثقافة في رين، ومهرجان الفنون التقليدية فيها، وكنت في الوقت نفسه مخرجاً وكاتباً مسرحياً ورئيس لجنة المسرح العربي ورئيس لجنة مسرح العالم الثالث في المعهد الدولي للمسرح ITI، ولدي علاقات واسعة مع الثقافات في الخارج، تم انتخابي لأكون عضواً في لجنة الثقافة والتواصل ضمن اللجنة الوطنية الفرنسية في اليونسكو. بعد سنتين تم اختياري نائباً للرئيس ثم صرت بعدها رئيساً للجنة.
بالتالي صرت أمثل فرنسا في اليونسكو مما سمح لي أن أتابع النشاطات والمعلومات عن كثب، وأشارك في النقاشات حول كل ما يتعلق بالعالم الثالث وثقافاته.
حنان:
هل يمكن أن تذكر لي شيئاً عن مواضيع النقاشات التي تدور ضمن لجان اليونسكو؟
شريف:
كانت هناك اجتماعات من أجل وضع مرجعيات للنصوص، وكنت أمثل فرنسا لمتابعة صياغتها. عندما صار الحديث يدور عن الفولكلور، وقفت ضد هذا المفهوم كنشاط منظم تقدّمه الحكومات على شكل عرض. الفولكلور تعبير شعبي موجود في كل بلد؛ لكن أن تأخذه وتحوّله إلى عرض يعني أن تنتزعه من سياقه وتشوّه بنيته، وذلك كان توجه الاتحاد السوفييتي بشكل خاص حين أخذ جميع أشكال التعبير الموجودة في الجمهوريات الخاضعة له وصاغها في قالب واحد قام بفرضه في كل مكان. لا بل أنهم فعلوا الشيء نفسه في بلدان الشرق الأوسط التي كان السوفييت يرسلون خبراءهم للعمل فيها. وقد فقدت هذه البلدان جزءاً من تراثها الأصلي لهذا السبب. كان ذلك يستفزني. وعندما تم انتخابي لأمثل فرنسا في اللقاءات التي تنظمها اليونسكو عن مفهوم الفولكلور والتراث استقبلتُ الاجتماع ضمن مسرح الرون بوان الذي كنت أديره، وهناك قررنا ألا يتم الكلام عن “الفولكلور” بل أن نبحث عن كلمة جديدة تمثل المفهوم الذي نقصده، فتم الاتفاق على استخدام تسمية “التراث اللامادي”. صرت بعدها عضواً في لجنة التراث اللامادي، ووضعنا الميثاق الذي ما زال مطروحاً حتى اليوم. وقد كتبت كتابا شرحت فيه كيف انتقلنا من مفهوم الفولكلور إلى مفهوم التراث اللامادي نشرته ضمن سلسلة “مهرجان المخيلة”.
حنان:
لم يخطر على بالي أنك كنت قد طرحت الفرق بين مفهوم الفولكلور وبين مفهوم التراث اللامادي، وأنك أنت من اقترح مصطلح التراث اللامادي كبديل.
أنا أيضاً لا أحب كلمة فولكلور. في الستينات ظهرت الكلمة فجأة في مفردات الثقافة لتصف كل ما له علاقة بالتراث والتقاليد الخاصة بكل شعب من الشعوب. عندما كان والدي يذهب إلى المحافظات السورية ليبحث عن خطوات الدبكة لتوثيقها، كانت أمي تقول له: “نحن شبعنا من الفولكلور. كل حياتنا فولكلور. نريد أشياء معاصرة في حياتنا”. أذكر هذه الجملة كمثال عن موقف من التراث أستطيع أن أفسره اليوم بأن بورجوازية المدن في سورية كانت في تلك الفترة تعيش أوج مرحلة الافتتان بالغرب ومحاولة تقليد نمط الحياة الغربية في اللباس وأثاث البيت والطعام وحتى في السلوك، وكانت لديها رغبة كبيرة بتملك مفاتيح الثقافة الغربية واستيعاب الموسيقى الكلاسيكية والباليه والأوبرا كما ذكرتُ من قبل. كلمة فولكلور الطارئة على اللغة العربية كانت تمثل نقيض كل ذلك. ليس فقط لأنها تذكّر هذه البورجوازية بأصولها التي تريد نكرانها في محاولة تقليد الغرب، بل لأن كلمة فولكلور ارتبطت بشكل أو بآخر بما هو شعبي، وعلى الأخص بما هو ريفي. هذه البورجوازية التي تشكل الكتلة الأكبر في الطبقة الوسطى، وعلى الأخص في أوساط المثقفين، ما كانت مهيأة لقبول وتقبّل رقص الدبكة والعزف على المجوز والربابة، هي التي كانت تسعى جهدها للتعتاد على رقص الباليه وعزف الفيولون والبيانو!!!
عندما تم تأميم الأراضي وترسّخ بعدها التوجه الاشتراكي في سورية مع مجيء البعث، انقلبت المعايير، وفُُرض ما هو شعبي بأشكال متعددة. لا أريد أن أتحدث عن البعد السياسي والاقتصادي وإنما عن الحياة اليومية للناس. أشعر أن تلك الفترة كانت في دمشق بمثابة اكتشاف مفاجئ لعالم الريف الذي كان منسياً، والذي بدأ يجتاح الحياة العامة. لا أستطيع أن أعمّم ولا أن أتكلم عن سكان بقية المدن السورية، لكنني أجد أن الدمشقيين ما كانوا يعرفون الريف. كانت علاقتهم به تتم من خلال “السيران” في الربوة وفي الغوطة القريبة التي لديهم فيها بيوت ومزارع. والفلاح بالنسبة لهم كان ذلك الذي يرعى الأرض ويحمل الأكياس والكراسي عند وصول أصحاب المزرعة. كان هناك فصل كبير بين الفلاح الذي يزرع الأرض وبين أصحاب تلك الأرض من أهل المدن الذين يذهبون للبساتين، ليس للتريض والمشي، وإنما للاستمتاع بالطعام داخل الطبيعة، ولقطف الفول الطازج وقلي الباذنجان في البستان. للأسف كأنت لدى أهل المدن نظرة فوقية للريف، وكلمة فلاح تُستخدم لديهم بمعنى انتقاصي، مما كرّس التفاوت الملحوظ بين أهل الريف وأهل المدينة. مع مجيء حزب البعث في الستينات بدأ الريف يكتسب معنى آخر، وبدأ الريفيون يغيّرون ميزان القوى مع استلامهم لغالبية مقاليد الحكم، وهنا ظهرت تلك الموجة من الاهتمام بالفنون الشعبية.
شريف:
تقولين إن ذلك بدأ مع مجيء حزب البعث. لكن مؤسسي البعث ما كانوا من الريفيين. أكرم حوراني، صلاح بيطار، ميشيل عفلق كانوا من الطبقة البورجوازية. عفلق كان جارنا يسكن في الطابق نفسه ضمن البناء الذي انتقلنا إليه في المزرعة.
حنان:
أنا لا أعني مؤسسي البعث. وإنما أعني أبناء القرى والمدن الصغيرة الذين فُتحت أمامهم المناصب الإدارية في الدولة بعد أن كانت حكراً على أهل المدن. وأؤكد أنني لا أعطي أحكام قيمة، بل أحلّل.
شريف:
الحقيقة أن التفاوت بين المدينة والريف لم يلفت انتباهي عندما كنت شاباً. ولا أستطيع الحكم عليه تاريخياً وأنا أعيش في الخارج. نحن لم نكن من البورجوازية. كنا من عائلة موظفين، لكننا كنا محاطين بأشخاص من الطبقة البورجوازية. في تلك الفترة، في الأوساط التي عشتُ فيها كان هناك تمييز واضح بين الطبقات، وكان هذا التفاوت بديهياً.
حنان:
عائلتي أيضاً ما كانت تنتمي إلى البورجوازية بهذا المعنى. جدي كان معلم نجارة. الموظفون والمعلمون والحرفيون ينتمون تقليدياً إلى الطبقة الوسطى. نعم، كان مؤسسو حزب البعث من الكوادر وينتمون إلى البورجوازية، لكن لا تنسى أن القاعدة العريضة في حزب البعث كانت من الريفيين. أمسك هؤلاء بمقاليد الحكم فتوافقت ذائقتهم مع موجة العودة إلى التراث الشعبي التي انتشرت في بعض مناحيها بتأثير من الثقافة الاشتراكية. ربما تذكر كيف ظهرت في بداية الستينات محاولة تسجيل التراث الشعبي في سورية من خلال جمع الأغاني والرقصات والأهازيج الشعبية في المحافظات السورية. كان والدي شخصياً من الذين ساهموا في هذا المشروع الهام. الباحث خالد معاذ قام بتوثيق أزياء بعض المناطق السورية، ولا شك في أنك تعرف أيضاً مشروع توثيق الملابس الشعبية في المحافظات السورية الذي قام به زياد زكاري.
شريف:
صحيح. عندي مجموعة زياد زكاري كلها حتى اليوم. وأذكر عمل فرقة الفنون الشعبية أثناء عملي في الوزارة مع والدك نجاة. كانت تلك بداية الرقصات الفولكلورية التي صارت تُقدم على شكل عروض. وبالفعل تم توثيق هذه الرقصات والأغاني والثياب الشعبية.

الصورة من صفحة الصديق عبد الرزاق معاذ وبإذن منه.
حنان:
الطريف هو أن الخبراء القادمين من الاتحاد السوفييتي ومن بلدان المعسكر الاشتراكي للعمل في وزارة الثقافة في سوريا رأوا في رقص الدبكة ما يشبه رقصات بلادهم، فدرّبوا الشباب عليها ومزجوها دون قصد -أو قاصدين- بحركات الرقص العنيفة المعروفة بين الرجال في بلاد القفقاس. النتيجة كانت رقصات جميلة جداً، لكنها تختلف عن حركات الدبكة السورية الأصلية مما خلق فناً جديداً استمر يبتعد عن الأصول تدريجياً كلّما تشكلت فرقة رقص جديدة مثل فرقة كاراكالا وفرقة فهد العبدالله وفرقة إنانا.
