الحلقة ٢١ – ٥ آذار ٢٠٢٢
حنان:
بعيداً عن رقصة الدبكة التي تحدثنا عنها في المرة السابقة، والتي خضعت لمؤثرات الاهتمام بتوثيق التراث، هناك أشكال أخرى من الفن لم تكن شعبية وخضعت لتطور آخر ولأسباب أخرى. فعلى صعيد الفن التشكيلي، مع طغيان موجة تقليد الغرب في القرن العشرين، انتشرت لوحة المحمول وتأثر الفنانون السوريون بتيارات الانطباعية والتعبيرية والتجريد. في خضم ذلك التوجه الغربي، أتيتَ أنتَ وقتها لتنبشَ فناناً شعبياً يرسم بطريقة بدائية هو أبو صبحي التيناوي؛ ولتعرّف به في بيروت أولاً ثم في سورية، فاشتهر وصارت لوحاته تباع بأسعار خيالية. حدثني عن هذا الاكتشاف.

شريف:
لم أكتشف أبو صبحي التيناوي وحدي بل مع لؤي كيالي. في يوم من الأيام كنت مع لؤي أبحث عن مواضيع جديدة للجريدة اللبنانية التي أكتبُ لها. قال لي: تعال، هناك شيء يمكن أن يهمك وأريدك أن تراه. أخذني إلى سوق مدحت باشا وهناك وجدنا بائع صحون وفناجين وقدور للطبخ اسمه محمد حرب، لكنهم ينادونه بلقبه أبو صبحي التيناوي. دخلنا المحل فرأيت رجلاً يرسم على الزجاج وحوله مجموعة رسومات على الورق يروي بها قصص عنتر وعبلة. وجدتُ تلك الرسومات جميلة جداً، وقد كتبنا مقالًا مشتركاً أنا ولؤي قارنّا فيه فن أبو صبحي التيناوي البدائي الغريزي مع أعمال بيكاسو وشاغال.
أبو صبحي التيناوي أعطاني وقتها إحدى الرسومات التي كان جدّه قد رسمها وعمل عليها من بعده أبوه، ومن بعدهما جاء هو فاستعملها بتقنيته الرائعة. كان يأخذ ذلك الرسم ويضع عليه بودرة تالك ويعيد نسخه على الورق من جديد. أذكر أننا كتبنا المقال عنه للجريدة مع صور، وفي إحدى الصور كنت أنا ولؤي جالسين على الأرض عنده ننظر إلى الرسومات. لاقى المقال صدى كبيراً في لبنان. بعض الأجانب المقيمين هناك أعجبوا بالفكرة فذهبوا إلى دمشق ليبحثوا عن التيناوي ويشتروا أعماله. صار مشهوراً وباع عدداً كبيراً من اللوحات، وعلى الأخص اللوحات على الزجاج التي كان الأجانب يفضلونها. أما أنا فلم يكن لدي نقوداً كافية لأشتري رسومه وقتها، ولذلك لا توجد عندي سوى تلك الرسمة التي أعطاني إياها من أجل المقال. صرت أذهب لزيارته في كل مرة أعود فيها إلى دمشق، فرانسواز أحبت أعماله أيضاً واشترت من عنده عملاً ثانياً.


حنان:
وشخصيات عروض كاراكوز. لديك مجموعة كبيرة منها على ما أظن.
شريف:
كاراكوز كان يسحرني، وكنت قد أجريت بحثاً عنه عندما كتبتُ عن الأشكال المسرحية عند العرب مثل الحكواتي وصندوق العجائب وغيرها.
مرة كنت عند رفيق الصبان فالتقيت بشفيق الإمام، وعرفت أنه مدير متحف قصر العظم. دعاني لزيارة المتحف، ودخلتُ إلى قاعة كاراكوز التي تحتوي على جميع التفاصيل عن شكل العرض، والنماذج التي تصوّر كاراكوز وعيواظ وبقية الشخصيات. وقد عرض عليَّ شفيق الإمام مجموعته الخاصة الرائعة، فولّد ذلك عندي رغبة كبيرة باقتناء المجموعة. اشتريت بعض القطع من محرّكي الكاراكوز وصارت عندي.
سلمان قطاية أيضاً كان مهتماً بكاراكوز وكتب كتاباً عنه والتقى بعارض من المختصين بهذا الفن في حلب، وسجّل منه عدة حكايا أرسلها لي عندما كنت في رين فترجمتُ ثلاثة منها ونشرناها في كتاب. وعندما علمتُ بعد فترة أن الشخص الذي يقدّم عروض كاراكوز قد مات، عبّرت عن رغبتي في شراء ما لديه من القطع.

حنان:
سمعت من تيسير السعدي مرة أن هناك مجموعة من القطع التي تمثل كراكوز وعيواظ في معهد العالم العربي. لا أعرف مدى صحة هذا الكلام. لكن ما أعرفه هو أن عائلة حبيب في دمشق هي التي كانت تملك النصوص الأصلية لعروض كراكوز، وأن هذه النصوص مكتوبة بطريقة مشفّرة لحفظ سر المهنة الذي تتناقله العائلة أباً عن جد. قام عادل أبو شنب بجمع النصوص التي طًبعت في كتاب أصدرته وزارة الثقافة، لكن للأسف تم حذف الكلمات البذيئة من النص واستُبدلت بنقاط. أفهم تلك الطهرانية لأن الكتاب صدر عن مؤسسة رسمية، لكن ضياع المفردات البذيئة حرمنا من معرفة كيف كان شكل الخطاب في العروض في تلك الفترة.
شريف:
عندي كتاب عادل أبو شنب ولا أظن أن عدد النقاط التي استُبدلت بها الكلمات البذيئة كبير. ما أعرفه أيضاً هو أنه تمَّ تسجيل خيال الظل في قائمة التراث اللامادي المعرض للخطر في العام الماضي، وصار الآن محمياً. وقبله في 2018 تم تسجيل كراكوز في القائمة نفسها. هذا يعني أن الكاراكوز صار محمياًّ، أما شكل العرض، فهو من مسؤولية الحكومة السورية التي يجب أن تحمي أصوله وشكل تقديمه وتعمل على استمراره.

حنان
بالإضافة إلى رئاسة اللجنة الوطنية الفرنسية في اليونسكو، كنتَ أيضاً مسؤولاً عن الصندوق الدولي لحماية الثقافة في اليونسكو IFPC الذي كان يموّل مشاريع ثقافية على المستوى العالمي، وقد أتيحت لي فرصة المشاركة في تقييم تلك المشاريع للصندوق. كانت فرصة ممتازة لدعم الثقافة في العالم، فلماذا توقف هذا الصندوق؟
شريف:
توقف بسبب عدم توفر الأموال. كانت بوليفيا هي التي قدّمت التمويل الكافي للصندوق من عشرين سنة. عندما انتهى التمويل أ تم إطلاق نداء إلى الدول الأعضاء ليكملوا دفع ما يلزم للقيام بتمويل مشاريع جديدة فلم يستجب أحد. الدول العربية التي اتصلنا بها أيضاً لم تظهر اهتماماً. وبالتالي توقف العمل في هذا الصندوق للأسف.