الحلقة ٢٢ – ٥ نيسان ٢٠٢٢
حنان:
هل قدمت أعمالاً مسرحية أخرى في تلك الفترة المزدحمة بالنشاط الإداري؟
شريف:
طبعاً، فالمسرح كان لا يتوقف عن جذبي؛ وبالتوازي مع كل هذه النشاطات، لم ألغِِِِ علاقتي بالمسرح. في عام 1985 كان مدير مركز الحمامات في تونس قد أتى للقائي وسألني إن كنت أريد أن أخرج عملاً ضمن مهرجانه. بحثتُ عن مسرحية لأخرجها ووجدت النص الذي كتبه عز الدين المدني بعنوان “رحلة الحلاج”. كنت أعرف حبيب حسن توما وهو موسيقي من أصول فلسطينية وألمانية كتب مؤلفاً هاماً عن الموسيقى العربية. طلبت منه أن يكتب لي موسيقى العرض.
قدمنا “رحلة الحلاج” في الحمّامات ونال العرض نجاحاً، لكنه مُنع بعد عدة أيام. لم أعلم تماماً لماذا مُنعت المسرحية، ربما لأن تقديم الحلاج على خشبة المسرح يمكن أن يخلق مشكلة في تونس. لهذا السبب أخذنا العرض إلى باريس وقدمناه طيلة شهر على خشبة مسرح الأليانس وكان النجاح كبيراً.



الصورة من موقع ابن بطوطة.
بعد فترة، وبعد تقديم مسرحية الحلاج لعز الدين مدني، وأثناء قراءتي لكتاب عن الملكات السوريات، فكرتُ بكتابة مسرحية عن جوليا دومنا، وهي ملكة سورية من حمص. أنجزتُ كتابة النص مع فرانسواز وقرّرنا أن نقدّم العمل على الخشبة. طلبنا من إحدى ممثلات بيتر بروك وهي ميراي معلوف أن تلعب الدور الرئيسي وتشاركها في التمثيل نينار اسبر. تلقينا دعوة من أسعد فضة لأن نقدم العرض في مهرجان المحبة باللاذقية ثم في قصر العظم بدمشق. كان الصدى جيداً. كان ذلك في عام 2000.

حنان:
أذكر أني حضرت عرض جوليا دومنا في دمشق أو في اللاذقية، لم أعد أذكر. هذا يعني أنك بسبب العرض عدت إلى سورية للمرة الأولى بعد غياب طويل.
شريف:
سبب عودتي هو أن الدكتورة نجاح العطار وزيرة الثقافة آنذاك كانت في باريس فدعتني لتقديم العرض في سورية. قلت لها أوافق إن استطعتِ تأمين خروجي وعودتي دون مشاكل. الحقيقة أنها كانت في كل مرة تأتي فيها إلى باريس تتصل بي وتقترح عليّ العودة، لكني كنت أجيبُها أن السنوات الطويلة التي أمضيتها في الخارج جعلتني أتعلم ما يجب أن أفعل وما يجب ألّا أفعل. لكن عندما بدأت الأمور تصبح أسهل في سورية، ولأنني كنت مدعواً لتقديم العرض في مهرجان جرش، قلنا إنها ربما تكون مناسبة لتقديمه في سورية. اتصلت أرواد اسبر بأصدقائها وبأسعد فضة الذي كان زوج خالتها، فاستطعنا أن نتأكد من دخولي وخروجي بدون مشاكل. وبالفعل أرسل أسعد فضة من يستقبلنا في الحدود السورية الأردنية وقدمّنا العرض.
حنان:
قدمت أيضاً مسرحية أخرى في تلك الفترة هي شجرة الدر
شريف:
كنت أعرف مها الصالح زوجة أسعد فضة عندما لعبت دوراً في مسرحية “الحضيض” لغوركي التي أخرجتها في دمشق تحت عنوان “من الأعماق”. قالت لي أنها تحب أن تلعب دوراُ في عرض جديد أقوم بإخراجه، وبالفعل قررنا أن نقدم مسرحية “شجرة الدر” انطلاقاً من نص لعز الدين المدني.
حنان:
يبدو أنك معجب بكتابة عز الدين المدني.
شريف:
نعم أحب نصوصه كثيراً لكنه كإنسان فيه شيء من الغرابة، ويتغير مزاجه من يوم ليوم. لم أعد أسمع أي شيء عنه ولا أعرف ما صار إليه.
المهم أن عز الدين كتب النص عن شجرة الدر وقامت أرواد بترجمته إلى العربية وأردتُ أن أخرجه وتمثله مها الصالح. بدأنا التدريبات مع مها الصالح لكنني اكتشفت أن العرض يسير باتجاه يختلف عن طريقتي في التعامل مع المسرح. قلت لمها الصالح أن تقوم هي بإكمال العرض وإخراجه وأنا مستعد لتقديمه في مهرجان المخيلة باريس. وبالفعل تم تقديم العمل في أوبرا دمشق، ثم تمت دعوتها في عام 2005 لتقدمه في معهد العالم العربي في باريس.
حنان:
في ذلك العرض اكتشفنا موهبة جديدة شاركت في العرض هي وعد بوحسون. من الذي اقترح وعد؟
شريف:
الحقيقة أني وقت التحضير للعرض سألت مها إن كانت تعرف موسيقية يمكن أن تغني في عرضنا. بعد فترة أتت للتدريبات ومعها صبية بدأت تعزف على العود وتغني. كانت خجولة جداً وتجلس في زاوية. أعجبني صوتها وسألتها إن كانت تستطيع غناء الأوبرا. غنت وكانت جيدة أيضاً، ورأينا أنه من الممكن أن يكون لها مستقبل في الغناء رغم أنها لم تمارسه من قبل. كانت وعد تعزف العود فقط، لكنها تعلمت الغناء والصولفيج في المعهد الموسيقي بدمشق. اتصلتُ بقدري دلال في حلب وقلت له أنني وجدت فتاة سورية رائعة وأريد منه أن يساعدها ويعطيها بعض التقنيات الموسيقية الضرورية. ذهبت وعد لزيارته في حلب وتابعت الدروس معه. قال لي أنها جيدة وتستطيع أن تتعلم بسرعة، وأنه يريد أن يجري لها جلسة غناء أمام سمّيعة حلب لكي يتم الاعتراف بها كمغنية. تلك كانت عادة قديمة ومستمرة في حلب، وتقوم على أن يجتمع وسط السوق حوالي عشرة أشخاص من الذوّاقين في مجال الموسيقى والغناء منهم تجار ومنهم أعيان؛ وكلّهم لديهم قدرة على تمييز المغني الجيد، والذي يستحق أن يستمع له أهل حلب؛ فإن أعجبهم المغني المبتدئ يعطونه شهادة بأن صوته صالح للغناء، وإلا عليه أن يذهب أدراجه ولا يحاول مجدداً. وبالفعل ركبتُ الطائرة ومعي بوزيان داودي من جريدة ليبيراسيون، وذهبنا إلى حلب لنحضر جلسة الاستماع. جلسنا داخل السوق في مكان تلتقي فيه الحارات. كانت المحلات مُغلقة ووجدنا بعض الكراسي جلسنا عليها. بدأ الموسيقيون بالعزف وبدأت وعد تغني أمامنا وأمام السمّيعة. كان العدد حوالي 30 إلى 40 رجلاً قدّمت وعد أمامهم أغنية لأم كلثوم. عندما انتهت قابلوها بصمت كامل، ثم انسحبوا ليتناقشوا. تمشينا بانتظار الحكم نتساءل ما الذي يمكن أن يحصل. عدنا في النهاية لنجد وعد تجلس خائفة في زاوية والناس حولها. عاد السمّيعة في النهاية وقالوا لها أنها تستطيع أن تغني. وهكذا حصلت وعد على شهادة السوق. كنت سعيداً لأني حضرت هذا المشهد. كنتُ قد سمعت عن ذلك من قبل لكني لم أشهده.
ذكّرني هذا بقصة. كان أحد المغنين المصريين قد أتى إلى حلب ليقدم حفلة فلم يأت إلى حفلته سوى شخص أو اثنين هم بمثابة لجنة استكشاف. ولما نال الرضى أتى الجمهور في اليوم التالي.

حنان:
كان تلك التجربة تشبه العمادة في عالم الغناء بالنسبة لوعد بوحسون. وعد شقّت طريقها بعد ذلك ووصلت إلى نجاحات مذهلة لعبتَ أنتَ دوراً في تحضيرها لها.
شريف:
لقد شعرنا أن وعد لديها موهبة ويجب أن نساعدها. كانت قد قدمت طلبا للحصول على منحة في القنصلية الفرنسية وحصلت عليها وبقيت في فرنسا. تعلّمت اللغة الفرنسية بسرعة واقترحنا عليها أن تنال دبلوماً في الموسيقى. وبالفعل قدمّتُها إلى صديق موسيقي واستاذ في الجامعة هو جان لامبير Jean Lambert فشرح لها ما هو اختصاص علوم الموسيقى Musicologie وما هو اختصاص علم موسيقى الأثنيات Ethnomusicologie فاختارت هذا الأخير ودبّرت أمورها وسجلت في الجامعة. درست بجدية كبيرة خاصة خلال فترة الكوفيد. وقد نالت الدكتوراه بعدها. خلال تلك الفترة كانت تقدم عروضاً تعزف فيها على العود وتغني. عرفّتها على الموسيقي التركي قدسي أورغونر Kudsi Ergunerفقدمت معه عرضاً في أوبرا باريس ثم في معهد العالم العربي. بعد ذلك بدأتْ بالعمل مع جوردي سافال Jordi Savall . كان يبحث عن موسيقيين ليشاركوا في برنامجه عن الموسيقى في الشرق. استشار أشخاصاً في معهد العالم العربي فحدّثوه عن وعد. التقى بها واستمع إليها ودعاها لتقدم عرضاً معه ولتتابع العمل، حتى أنه أعطاها مهمة إدارة المجموعة المختصة بالموسيقى القديمة في فرقته لأنه صار يثق بها كثيراُ.
حنان:
هل تذكر كم كان جميلاً الحفل الموسيقي الذي قدّمته في قصر الحمراء بغرناطة مع الأخوين كورو وكارلوس بينيانا
Curro et Carlos Piñana . كان ذلك الحفل بعنوان “هنا ينام قلبي”، وهو الافتتاح غير الرسمي لدمشق عاصمة الثقافة العربية، كون دمشق وغرناطة توأمان. وقد غنت وعد في الحفل قصائد لولاّدة وابن زيدون. بفضلك استطعنا الحصول على الإذن بتقديم الحفل في قاعة السفراء داخل قصر الحمراء، وهو ما لم يحصل من قبل أبداً لأن جميع الفعاليات تقدم عادة في حديقة القصر وليس داخله.
شريف:
نعم أذكر كل ذلك. كانت حفلة رائعة تألقت فيها وعد. وقد عادت بعدها للعزف والغناء في غرناطة مع جوردي سافال.