الحلقة ٢٣ – ١٠ أيار ٢٠٢٢
حنان:
لم نتحدث عن محطة أخرى في حياتك هي إدارتك لأحد المسارح المهمّة في باريس هو مسرح الرون بوان في الشانزليزيه بباريس Théâtre du Rond-Point، وقد خَلَفْت في إدارته جان لوي بارو Jean-Louis Barrault . كيف حصل ذلك؟
شريف:
عرفت جان لوي بارو عندما كنت أعمل في التلفزيون مع أندريه فرانك الذي كان مسؤولاً عن أعمال أنطونان آرتو وعن دفاتر رونو- بارو، وهي مجموعة نصوص ساهم في كتابتها عدد من المسرحيين حول أعمال جان لوي بارو وزوجته مادلين رونو. في تلك الفترة كتبت عنه مقالاً لمجلة جون أفريك، كما أن فرانسواز أجرت معه مقابلة. كان جان لوي بارو يدير مسرح الرون بوان في الشانزليزيه مع زوجته مادلين رونو. كانا منفتحَين على العروض القادمة من أنحاء العالم ومن هنا اهتمامي بهما بشكل خاص.
حنان:
أذكر أن الحكومة الفرنسية كانت قد طلبت من فرقة رونو- بارو Renaud-Barrault أن تترك مقرها السابق في محطة أورسي للقطارات لأنها تريد تحويل المحطة إلى متحف، فانتقلت الفرقة إلى مسرح الرون بوان في الشانزليزيه. كنت قد تابعت الحكاية في الصحف الباريسية التي تكلمت وقتها كثيراً عن متحف أورسي المستقبلي.

شريف:
بالفعل. وقد استمرا بعدها يعملان في مسرح الرون بوان في الشانزيليزيه حتى عام 1991 . ما حصل بعدها كان قصة طريفة: فقد علمت في تلك السنة أنه يتم البحث عمن يدير ذلك المسرح لأن جان لوي بارو كان لطيفاً جداً وقد استغل المسرحيون طيبته في تمويل عروضهم حتى تراكمت الديون على المسرح. وزارة الثقافة ومحافظة باريس قررا إيقاف العمل في المسرح والبحث عن مدير ينقذ الموقف. كانت معاونة جان لوي بارو صديقة لسكرتيرتي فقالت لها لماذا لا نطلب من شريف أن يأتي ليدير المسرح؟ عَرَضَت الأمر على بارو الذي كان يعرف طريقتي في البرمجة في بيت ثقافات العالم، ويرى فيها ما يتوافق مع توجهه، فوافق. وأنا بدوري لم أمانع. وهكذا أخذنا موعداً مشتركاً مع جاك لانغ الذي كان وزير الثقافة وقتها وذهبنا معاً للقائه. وبعد أن شرح له بارو الفكرة قال له أنه يريد أن أخلفه في إدارة المسرح. استغرب جاك لانغ هذا الموقف لأنه لم يحصل أن يتفق مدير سابق مع الذي سيخلفه في العمل، وأن يختاره بنفسه، فرحّب بالفكرة.
حنان:
ألم يكن من الصعب على بارو أن يترك المسرح؟ ربما كان ذلك بمثابة اعتزال لأنه قد كبر كثيراً وما عاد قادراً على الإدارة. أظن أنه كان في الثمانين تقريباً وقتها.
شريف:
بالفعل. كان قد بدأ يتعب. وأذكر للطرافة أننا عندما كنا ننتظر اللقاء مع جاك لانغ قال جان لوي لزوجته مادلين: ماذا نفعل هنا؟ ردت عليه: نريد أن نرى الوزير. سألها من هو الوزير؟ ردت: جاك لانغ. أظن أنه كان قد بدأ يفقد ذاكرته وقتها.
تم تكليفي إذن بإدارة مسرح الرون بوان في عام 1991، وبقيت أديره حتى عام 1995. وكنت في الوقت نفسه أدير بيت ثقافات العالم ولا أريد تركه. لذلك طلبت من روبير أبي راشد أن يصبح رئيس جمعية الرون بوان، وقررت أن أقيل كل الأشخاص الموجودين فيه لكي أعالج الوضع المالي المتردّي. العمل في هذه المؤسسة كان صعباً جداً، وقد اضطررت لإنهاء عمل أربعين شخصاً كانوا موجودين في المسرح ولا يعملون. قمنا ببعض الإصلاحات، وطلبت من المعماري جان ميشيل فيلموت Jean Michel Wilmotte إعادة تأهيل المكان خلال ستة أشهر.
أنهينا الإفلاس وبدأنا بالبرمجة. كنا نريد متابعة عمل بارو في تقديم عروض أجنبية، وكانت نيّتي أن أقدم عروض مهرجان بيت ثقافات العالم في مسرح الرون بوان، لكن المسرحيين الفرنسيين لم يعجبهم ذلك، واعترضوا بشكل حاد، وقام عدد كبير منهم بتوقيع عريضة طالبوا فيها جاك لانغ أن يوقف عرض مهرجان بيت ثقافات العالم في مسرح الرون بوان. أي أن العريضة كانت ضد إدارتي للمسرح، لأني أنا الذي اقترحتُ ذلك، ولأني أنا الذي كنت أديرُ بيت ثقافات العالم.
كانت العريضة موجودة في بهو المسرح، وكان المسرحيون يمرّون ويوقّعون عليها ضدي في حين كنت في مكتبي في الطابق العلوي أرتب الأوراق. لم أهتم، وما زالت لدي هذه الوثيقة المسيئة التي تحمل توقيع جميع المسرحيين الفرنسيين.
جاك لانغ لم يعد يعرف ماذا يفعل ثم قال لي: سنتابع العمل رغم كل شيء.
وقد أدرتُ الرون بوان الذي سار بشكل جيد واستطعنا أن نتجاوز العجز المالي، بل وحققنا بعض الربح.
حنان:
لماذا رفض المسرحيون تقديم عروض ثقافات العالم في المسرح؟ هذا غريب. أذكر أن تلك الفترة كانت فترة انفتاح كبيرة على الثقافات الأخرى. وتقديم العروض الأجنبية في باريس كان وما يزال سياسة مدروسة ساهمت في رسم مسار المسرح العالمي.
شريف:
ما كان المسرحيون ضد تقديم عروض أجنبية بالمطلق. فقد كان مسرح الأوديون مخصصاً رسمياً لتقديم العروض الأوروبية الزائرة واسمه الأوديون-مسرح أوروبا. ومهرجان أفينيون كان يقدم عروضاً أجنبية يُستعاد معظمها في مهرجان الخريف في باريس. لكنهم كانوا لا يريدون أن تتزايد العروض الأجنبية على حساب ما هو فرنسي. وكانوا ضد أن تُدار المسارح الكبيرة من قبل أجانب. بالفعل، في تلك الفترة كان ارييل غولدنبرغ Ariel Goldenberg الأرجنتيني الأصل مدير مسرح شايو وقد شغل منصباً هاماً إلى جانب جاك لانغ في مهرجان نانسي ثم على رأس بيت الثقافة في بوبيني. هناك أيضاً الإيطالي جيورجيو شتريللر Giorgio Strehler الذي أدار مسرح الأوديون لفترة طويلة. وهناك أنا….
حنان:
لا أصدق أن ذلك يمكن أن يحصل في أوساط المسرحيين الفرنسيين. يفترض أنهم أكثر وعياً على المستوى السياسي والإنساني. هل كانوا يحتجّون على ذهاب المال إلى الآخرين وليس لهم. ألم يعترض أحد على ذلك؟
شريف:
بلى. صدرت بعد ذلك مقالات ضد العنصرية في المسرح، وجريدة لوموند كتبت مقالاً جيداً. ربما كان المقصود هو الدفاع عن جان لوي بارو. لا أعرف تماماً ما السبب.
حنان:
القصة نفسها تقريباً حصلت مع جاك لاسال Jacques Lassalle حين استلم إدارة مسرح الكوميدي فرانسيز وأتى بممثل بولوني لتمثيل دور دون جوان. كانت لدى الممثل لكنة، ولم يتقبّل الفرنسيون أن يحصل ذلك في معقل المسرح الفرنسي، وفي أكثر الأماكن دفاعاً عن نقاء اللغة الفرنسية وهو الكوميدي فرانسيز. كانت تلك واحدة من الأسباب التي أدت لإقالة لاسال من إدارة المسرح.
شريف:
أوكد لك أن المسرح الفرنسي يمكن أن يكون في بعض الحالات رجعياً ومتعصّباً، والمنافسة على المناصب في داخله مذهلة، والمسرحيون يتناحرون ويغارون من بعضهم. صحيح أن تلك الفترة كانت فترة انفتاح، لكن المسرح الفرنسي كان في غالبيته مغلقاً على نفسه. هناك استثناءات طبعاً. منوشكين مثلاً كانت منفتحة كثيراً على أنحاء العالم وعلى ما يجري فيه، وعلى المسارح الأخرى غير الغربية، وانعكس ذلك في عروضها. بيتر بروك أيضاً كان من المسرحيين ذوي الآفاق المفتوحة على الثقافات الأخرى وعلى أشكال التعبير العالمية. كانا منفتحين على كل ما هو جديد وكل ما يأتي من ثقافات أخرى، أما غالبية الآخرين فكان من الصعب التعامل معهم. ولذلك قطعت علاقاتي مع المسرح الفرنسي، وأنا سعيد جداً بذلك.
حنان:
لماذا إذن كانت لديك أنت تلك النظرة التي تستكشف ثقافات العالم؟ هل لأنك أتيت من حضارة مختلفة جعلتك تنظر إلى العالم بعين أخرى؟ هل هي جامعة مسرح الأمم؟
شريف:
ربما هو تأثير جامعة مسرح الأمم لأن فرانسواز أيضاً لديها النظرة نفسها في حين لا يجد الآخرون أية متعة في استكشاف ما هو بعيد وغريب ومختلف.
حنان:
عندي سؤال آخر. كيف حصل أنك لم تترك بيت ثقافات العالم عندما استلمت مسرح الرون بوان؟ إدارة مؤسستين كبيرتين في وقت واحد يمكن أن يكون مربكاً، أو منهكاً.
شريف:
سأشرح لك كيف تمت الأمور. عندما تم تعييني في مسرح الرون بوان، جان دوفينيو الذي كان رئيس بيت ثقافات العالم طلب مني ألا أغادر الدار، وهكذا صرت أدير المؤسستين معاً. قلت لنفسي أنها فرصة لجعل الجمهور الذي يأتي إلى الرون بوان ينتقل تدريجياً إلى بيت ثقافات العالم، ولذلك أردنا أن نقيم مهرجاناً فيه. ولأن الدعاية كانت مكلفة جداً، قررنا أن نقدم دعاية للمهرجان مرة واحدة ضمن إعلانات ذلك المسرح.
لمزيد من التفاصيل أقول أني عندما استلمتُ إدارة مسرح الرون بوان كان مارسيل ماريشال Marcel Maréchal يرغب بإدارته، لكن جان لوي بارو رشحني أنا. في ذلك الوقت كان ماريشال يعمل في مرسيليا، وفي إحدى مسرحياته أسند دوراً إلى جاك توبون Jacques Toubon الذي صار فيما بعد وزيراً للثقافة، فقام بدوره بإصدار قرار بتعيين مارسيل ماريشال في مسرح الرون بوان قبل أن ينتهي عقدي فيه. اعترض على ذلك روبير أبي راشد الذي كان مستشاراً لوزير الثقافة، وذكّره بوجود عقد لا يمكن خرقه. بالتالي بقيتُ سنة إضافية في المسرح. في ذلك الموسم كان جاك توبون يأتي بشكل دائم ليحضر عروضنا. وقد قال لي أنه يريد أن يصلّح غلطه، ويُحبّ أن يجد لي مسرحاً أديره في باريس. لكن تغيّر الوضع السياسي جعل من الصعب على توبون أن يحقق وعده، وقد اختار لي مسرحاً ظل مغلقاً لعدة سنوات وكان هناك مشروع لإعادة تأهيله هو مسرح لا غيتيه ليريك La Gaîté Lyrique. عندما علمت الصحافة بالأمر أجروا معي مقابلة في جريدة لوموند وتم إيقاف كل شيء. كذلك عندما أردت أن أترك بيت ثقافات العالم رفض دوفينيو ذلك فبقيت وصرت أدير مسرح الأليانس ومسرح الرون بوان في الوقت نفسه. كان ذلك في عام 1990.