الحلقة ٢٤ – ٢٥ أيار ٢٠٢٢
حنان:
ضمن عملك في مجال التعريف بثقافات العالم من خلال برمجة النشاطات والفعاليات الآتية من ثقافات بعيدة، أذكر اهتمامك بصياغة ومتابعة برنامج هام جداً في مجال التبادل الثقافي هو Courants (أو تيارات باللغة العربية). هل تذكر ذلك البرنامج؟
نعم، بالطبع. أثناء وجودي في مسرح الرون بوان في التسعينيات، تم إطلاق برنامج تيارات العالم Courants du monde ليكون أداة للحوار بين الثقافات من خلال استقبال مسؤولين ثقافيين من أنحاء العالم، والمساعدة على تأسيس شبكات للتعارف بينهم تؤدي لاحقاً لولادة مشاريع مبتكرة. المرحلة الأولى منه كانت تحمل عنوان “كوران شرق” Courants Est ، وفيها تمّ التركيز على استقبال فاعلين ثقافيين من شرق أوروبا وبلاد البلطيق التي لم يكن يعرفها أحد، والتي كانت قد بدأت تستقل وتخرج من نطاق الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية. كانت المسؤولة عن البرنامج وقتها مديرة العلاقات الدولية في الوزارة التي طلبت من مسرح الرون بوان الذي كنت أديره أن يكون مسؤولاً عن تفاصيل تنفيذه. وعندما تركت الرون بوان، نقلت الوزارة مسؤوليته إلى بيت ثقافات العالم الذي كنت أديره أيضاً.
الفكرة كانت أن ندعو لمدة ثلاثة أشهر مثقفين من شرق أوروبا لكي يتعرّفوا على ملامح الثقافة الغربية ويعرفوا شيئاً مختلفاً عمّا كانوا يعيشونه عندما كانوا تحت مظلة الاتحاد السوفييتي. بعد ذلك، وبسبب نجاح الفكرة، انتقل البرنامج من كوران شرق إلى كوران جنوب ثم كوران انترناسيونال. وهكذا لم يعد الاهتمام يقتصر على بلاد شرق أوروبا وحدها بل طال أيضاً بلاد الشرق الأوسط وافريقيا وأمريكا اللاتينية.
كنا نتواصل مع المراكز الثقافية الفرنسية في تلك البلاد لكي يقوم مسؤولوها باختيار المرشحين. ثم نبدأ نحن بدراسة كل حالة على حدة، لتحديد ما نراه مناسباً منها، ومن ثم نقوم بتنظيم برنامج خاص للمسؤول الثقافي حسب اختصاصه وحسب مشروعه.
شيئاً فشيئاً صارت للبرنامج ديناميكية داخلية، فاتّسع واتّسعت دائرة العاملين فيه لتشمل ما يقارب ١٢ شخصاً يعملون على تنظيم السفر والإقامة والرحلات إلى المحافظات. شكّل ذلك مع الزمن عبئاً ثقيلاً على موازنة الوزارة، فقام الوزير بإيقافه.
حنان:
لماذا لم تكن الوزارة تدير هذا البرنامج بشكل مباشر؟ لماذا يُعهد بالعمل إلى مؤسسة معينة ضمن الوزارة؟
شريف:
في تركيبة العمل في فرنسا، لا تستطيع الوزارة أن تصرف النقود بشكل مباشر، بل تعطي الموازنة الضرورية لإحدى البنى التابعة لها للقيام بالعمل. بيت ثقافات العالم كان البنية المناسبة لهذا البرنامج.، خاصة عندما وسعّنا الدائرة بحيث صار البرنامج مفتوحاً على بلاد أمريكا اللاتينية ثم بلاد الشرق الأوسط وإفريقيا.
حنان:
أنا كنت إحدى المشاركات في البرنامج. لم أكن أعرفك بعد، لكنّي قرأت وقتها إعلاناً في المركز الثقافي الفرنسي بدمشق عن وجود منحة لمن يستطيع أن يقدم مشروعاً يتطلب الاطّلاع على مؤسسة ثقافية في فرنسا. كتبت مشروعاً يتعلق بتوثيق المسرح السوري الذي كان يشغلني منذ بداية عملي في المعهد العالي للفنون المسرحية. طلبت أن أزور مؤسسات التوثيق في فرنسا لأعرف كيف تعمل. قُبلت في البرنامج واستطعت بفضله التعرّف على آلية التوثيق ومراحلها؛ كما أتيح لي من خلال زياراتي أن أتعرف على هيكلية وزارة الثقافة الفرنسية، وعلى فهم منطق العمل ضمن المؤسسات الثقافية بشكل عام. ساعدني ذلك كثيراً في عملي اللاحق في إدارة المؤسسات الثقافية.
بعد عودتي، ونظراً لأني استطعت تكوين رؤية واضحة عن مشروع التوثيق، بدأت مع طلاب معهد المسرح بجمع المعلومات عمّا استطعنا الوصول إليه من نصوص وعروض بدايات المسرح السوري. قدمّت طلباً إلى وزارة الثقافة بتأسيس مركز التوثيق المسرحي، وذكرت في الطلب أن هذا المركز لا يحتاج لأكثر من غرفة مكتب وكومبيوتر متطور وخزانة لحفظ الوثائق بانتظار تسجيلها رقمياً. للأسف لم يتحقق المشروع لأسباب عديدة.
برنامج كوران لم يكن فقط محورياً في حياتي المهنية، بل استطعت من خلاله أن أعقد علاقات مع فاعلين ثقافيين يعملون في بلاد أخرى، وأن أتواصل معهم. وقد بقينا على صلة ساعدت عليها لاحقاً شبكة الانترنت. كانت تلك بداية مرحلة التشبيك.
كل هذا لأقول لك أن مثل هذه البرامج يمكن أن تخلق تغييراً.
شريف:
تحدثتِ عن أهمية التوثيق، وأنا معك في هذه الفكرة. نحن أيضاً أسّسنا مركزاً للتوثيق يتبع لبيت ثقافات العالم، لكن مشكلتنا كانت في إيجاد المكان لتحقيق ذلك. فكل تلك الذاكرة التي جمعناها، وكل ذلك الأرشيف الغني كان بحاجة لأن نجد له مكاناً يحفظه. كتبتُ لعدة بلديات في فرنسا أنني أريد أن أؤسس مركزاً لتوثيق ثقافات العالم وأبحث عن مكان له، فتلقيت جواباً من مدير بلدية فيتري Vitré الذي كنت أعرفه من قبل. قال لي: تعال إلى فيتري، لدينا مكان واسع هنا. وهكذا أسّسنا مركز التوثيق. استمرت مرحلة التأسيس خمس سنواتكنا نقوم خلالها بنشاطاتنا المعتادة إذ لم نتوقف عن العمل في مقرّنا الأصلي في بولفار راسباي بالإضافة إلى عملنا في مركز التوثيق في فيتري. بعد ذلك، وعندما تركنا بولفار راسباي انتقلنا إلى فيتري بشكل كامل.