الحلقة ٢٥ – ٦ حزيران ٢٠٢٢
حنان:
تحدثنا كثيراً يا شريف عن حياتك المهنية، عن المسارح التي أدرتها، والمسرحيات التي أخرجتها، تحدثنا عن الإدارة الثقافية، عن الفولكلور والتراث اللامادي وغير ذلك من التفاصيل المهمة. لكنني أرى الآن أننا لم نتحدث عن طفولتك. عن أمك وأبيك. عن علاقتك بالمدن الكثيرة التي عشت وعملت فيها. أعتقد أن هذا السياق ضروري لفهم المسار الذي كان لك في هذه الحياة الغنية. حدثني عن عائلتك وعن طفولتك.
شريف:
التقى أبي بأمي في فرنسا وعادا إلى سورية في 1934. جدي كان قاضياً، وهو في الأصل من انطاكية، المدينة التي عاش فيها أبي مع أمي عند وصولهما إلى سورية. بعدها انتقل جدي إلى دمشق فأخذ معه جدتي وأخي الصغير. أنا بقيت مع أهلي في حلب التي انتقلنا إليها وعشنا في باب جمال قريباً من فندق بارون. أمي روت لي أنها كانت تحملني على يديها عندما مرّ الجنرال دوغول تحت النافذة. ثم انتقلنا إلى بيت جديد في منطقة الأشرفية، وعشتُ فيه حتى عمر الرابعة. وأذكر أني وقعت مرة على زجاجة عطر، وما زالت العلامات في ظهري حتى الآن. بعد عدة أشهر، في عام 1944، تم نقل أبي إلى دمشق، وهناك قامت أمي بتدريس الفرنسية في مدارس المدينة. والدي كان موظفاً في وزارة الإعلام. وكان هو الذي رفع علم الاستقلال في أول عيد جلاء للفرنسيين.
في دمشق استأجرنا بيتاً مع حديقة بالقرب من البرلمان، وكان في الحديقة أرانب. وتلك كانت ذكرياتي الأولى عن دمشق. لم ترغب أمي بوضعي في حضانة، وقامت هي بتعليمي حتى صار عمري ست سنوات حيث سجلوني في مدرسة اللاييك. في تلك الفترة انتقلنا إلى منطقة عين الكرش التي كانت قريبة من المدرسة، وهناك عرفت للمرة الأولى أخي الذي كان يعيش مع جدي وجدتي ثم التحق بنا عندما استقر أهلي في دمشق.
حنان:
لكن لماذا تأخرتَ حتى عرفتَ أخاك؟ لماذا كان يعيش مع جدك وجدتك؟
شريف:
كان جدي يريد تربيته على طريقته. ربما كان يمكن أن يفعل الشيء نفسه معي لكني كنت صغيراً جداً.
حنان:
هذا وضع مؤلم جداً وظالم. لا بد أن أمك عانت من ذلك الشيء الكثير، إذ من غير المعقول أن يأخذوا منها ابنها ويربونه في مدينة ثانية. كيف قبلت بالأمر
شريف:
ربما شَعَرَت بالظلم، لكنها لم تتحدث عن ذلك معنا.
حنان:
هل كان لجنسية أمك الفرنسية تأثيراً على شعورك بالهوية المزدوجة؟ هل كنتم تتحدثون بالفرنسية داخل البيت؟
شريف:
لم أطرح على نفسي هذا السؤال عن الهوية ولا عن ثنائية اللغة. في تلك الفترة كان جميع أصدقائي ثنائيي اللغة بسبب مدرستنا التي كنا نتكلم الفرنسية فيها. كان الأمر طبيعياً جداً.
حنان:
وفي البيت؟ هل كنتم تتحدثون بالفرنسية أم بالعربية؟
شريف:
في البيت كنت نتحدث اللغتين. كانت أمي لا تتكلم العربية لكنها تستطيع أن تفهم ما يُقال لها، وتستطيع أن تتكلم مع الجيران. كنا نتحدث معها بالفرنسية، ومع أبي بالعربية.
حنان:
وهل كنتم تخالطون الفرنسيين المقيمين في دمشق؟
شريف:
على مستوى الحياة الاجتماعية، كان أصدقاء أبي الذين يزورونا من العائلات المختلطة مثل عائلتنا، أي أن الزوجات فرنسيات والأزواج سوريين من الأوساط الجامعية على الأخص. أصدقاء أبي كانوا في معظمهم من الحلبيين.
حنان:
لا شك في أنكم كنتم تذهبون إلى حلب كثيراً.
شريف:
لا على العكس. بعد أن أتينا إلى دمشق لم نتحرك، ولم نذهب إلى حلب أبداً. لم أعد إلى حلب إلا بعد 15 سنة.
حنان:
وأصدقاؤك في تلك الفترة. هل تذكر منهم أحد؟
شريف:
في عمر العاشرة كانوا من أولاد الحي من شارع بغداد وباب توما. في مدرسة اللاييك كان معظم الطلاب مسيحيين أذكر من بينهم فارس خوري واسكندر كوستانتينيديس، نديم سلامة، نديم حاج والياس سجعان… وغيرهم
حنان:
هل كنت تلعب في الشارع؟
شريف:
أبداً ما كنت ألعب في الشارع وكنت أرجع إلى البيت مباشرة من المدرسة. وظل الأمر هكذا حتى فترة متأخرة.
حنان:
هذا يعني أن شوارع دمشق في الخمسينات لم تترك في ذاكرتك شيئاً. كان لدي أمل أن تحدثني عن الحياة اليومية في دمشق وقتها، وعن أنواع وأشكال الفرجة التي كانت معروفة في شوارع دمشق. أنا مثلاً أتذكر الشخص الذي يربي قرداً ويجول معه في الشوارع ويتوقف من وقت لآخر ليقدم عرضه ويلمّ بعض القروش. كان يطلب من القرد أن يقلد المرأة العجوز عندما تنام، فيفعل. والمرأة الصبية عندما تأكل، فيفعل… وكنا نندهش لحد الذهول من ذلك. كما أتذكر صندوق الفرجة بفتحاته الدائرية التي كنت ننظر من خلالها فنرى صوراً تتحرك ونحن نجلس على المقعد الخشبي. هل لديك مثل هذه الذكريات التي كانت معروفة في شوارع المدينة؟
شريف:
طبعاً. أذكر هذه الألعاب تماماً وقد تركت تأثيرها عليّ. وفيما بعد، أي بعد مرور سنوات طويلة، عندما أتيت إلى دمشق أثناء احتفالية دمشق عاصمة الثقافة العربية، هناك من دلني على بائع أنتيكة اشتريت منه صندوق الفرجة أو صندوق العجائب الذي ذكّرني بما كنت قد رأيتُه في طفولتي. وضعت الصندوق في مركز التوثيق لدار ثقافات العالم في فيتري، وعرضناه في أحد المعارض. في يوم من الأيام فككته لأرى ما بداخله، فاكتشفت أنه لم يكن قديماً جداً بسبب الجرائد التي وجدتُها ملصوقة على خشباته. ربما كانوا قد صنعوه من أجل التلفزيون. المهم أنه كان كاملاً لا تنقص منه أية قطعة.
حنان:
أنا أيضاً عثرت على صندوق العجائب لدى أحد باعة الأنتيكة. اشتريتُه ووضعته في مكتبة المعهد العالي للفنون المسرحية. ولا أعرف إن كان صناعة جديدة هو الآخر. أرجو ألا يكون كذلك.
هل لديك ذكريات أخرى.
شريف:
نعم. أكثر ما أحفظه من ذكريات طفولتي وترك أثراً فيّ هو أن أخي الأكبر كان لديه صديق يجمع أسطوانات من بينها واحدة سُجلت عليها نداءات الباعة المتجولين في سوريا. كان ذلك يسحرني. كنت أطلب من أخي أن يأخذني عند صديقه لأستمع لهم. ظللت لفترة طويلة أبحث عن هذه الأغاني وهذه النداءات. الآن أفكر أن تلك كانت أول علاقة لي بالتراث.
حنان:
ربما نجد بين من يقرؤوننا هنا من يعرف أين تم تسجيل نداءات الباعة ومكان وجود هذه الأسطوانات، لأني أعرف أنك بحثت عن ذلك طويلاً.
شريف:
أذكر أيضاً أننا عندما كنا نخرج مع أهلي في نزهة، كنا نذهب إلى المكتبة العمومية حيث كنت أشتري مجلات تان تان، وكانت تلك نزهتنا اليومية. في الطريق إلى هناك كان أبي يشتري لي الحلوى والصبارة وأشياء من هذا النوع. وكنت أحب ذلك.
حنان:
وهل كانت لك بالمقابل علاقة حميمة مع فرنسا أثناء طفولتك؟ هل كنت تذهب إلى هناك لتزور عائلة والدتك؟
شريف:
لا أبداً. لم أرَ عائلة امي إلا بعد أن صار عمري عشرين سنة حين أتت جدتي لزيارتنا. ما كان في العائلة سوى جدتي وخالي لأن جدي كان قد توفي وقتها. جدتي كانت تعيش في إيطاليا وليس في فرنسا لأنها كانت إيطالية الأصل، وصرت أذهب لرؤيتها في إيطاليا. كانت هناك مراسلات بين أمي وبين والدتها، أما أنا فكان عندي فضول كبير لمعرفة هذه العائلة.
فيما بعد، ذهب أبي إلى السعودية ووجد عملاً كمترجم مباشر هناك لكي يؤمن مالاً كافياً للعائلة. أمي لم تستطع البقاء في دمشق وحدها لأن أخي ذهب إلى بيروت وأخي الآخر توفي، وأختي كانت تدرس في فرنسا. جاءت لتعيش هنا في فرنسا، وبعدها ترك أبي السعودية وجاء هو الآخر إلى فرنسا، ثم عادا معاً إلى سورية وبقيتُ أنا في باريس مع أختي.
حنان:
لا أعرف كيف تنسج علاقتك بالمدن، لكن هناك صور معينة عن كل مدينة تشكّل جزءاً من هويتها وتحدّد تصورنا لها. وقد كان لانقطاعك الطويل عن سورية ودمشق ما أبعدك عن مراقبة تحوّلاتها والتغيّرات التي طرأت عليها؟ أظن أن ذلك الانقطاع بدأ عندما عشتَ في بيروت في الستينات وتركت دمشق لفترة طويلة، كيف رأيتها عند عودتك إليها؟ هل شعرت أنها تغيرت؟
شريف:
لم أترك دمشق لفترة طويلة وقتها، فخلال سنوات دراستي في بيروت كنت أعود كل أسبوع إلى دمشق. وقد تابعت تطور المدينة من خلال تلك الزيارات. اعتباراً من عام 1962 تركت دمشق ولم أعد إليها إلا بعد فترة طويلة. لم أجد أنها تغيرت كثيراً، فقط صارت أكبر. مركز المدينة ظل كما هو. الحقيقة أني كنت دائماً أعيش في وسط المدينة، ولم أذهب أبداً إلى الأحياء البعيدة عن المركز. كنت أعرف حي المهاجرين قليلاً لأن جدي كان يسكن فيه. لم أعرف حي الميدان إلا بعد عودتي المتأخرة إلى دمشق. في هذه العودة المتأخرة ذهبت إلى حي شيخ محي الدين أيضاً. كانت زيارة سياحية تماماً، وقد أحببتُه كثيراً ووجدته رائعاً. كانت هناك ناعورة في أحد البيوت. أظن أننا تكلمنا عن ذلك أثناء احتفالية دمشق عاصمة الثقافة العربية.
حنان:
الناعورة كانت من صنع الجزري في القرن الثالث عشر. يُعتبر الجزري من أوائل المهندسين في العالم وقد ساهمت اختراعاته في اعتماد آلات وساعات لعبت فيما بعد دوراً أساسياً في الثورة الصناعية في أوروبا. دلّنا على وجود الناعورة الصديق محمد الرومي. كانت موجودة وسط بيت صغير تقيم فيه عدة عائلات، وكان سكان البيت يعلّقون ملابسهم على شفراتها لتجفّ بعد الغسيل. تخيل أنك تنشر غسيلك على آلة من القرن الثالث عشر. هل ترى إلى أية درجة تندرج ضمن الحاضر أشياء رائعة من الماضي الذي يعود لقرون مضت. هذا مكمن الجمال في مدينة عريقة مثل دمشق.
وماذا عن باريس؟ هل شعرت بالغربة فيها بسبب صعوبة الحياة التي عشتها هناك؟ هل تولّد لديك الشعور بأنك انسلختَ عن بلدك سورية كما يقول كثيرون من الذين يسافرون للعيش في الخارج؟ هل كان لديك هذا الشعور الذي نراه في أدبيات المهجر وفي كل ما يكتب اليوم على وسائل التواصل الاجتماعي عن الشوق والحنين للياسمين والنارنج وأرض الديار وغير ذلك من أبعاد الحنين التي تعبّر عن الغربة كمأساة؟
شريف:
لا لم أعش غربتي في الحالتين كمأساة، وكنت سعيداً بوجودي في بلاد جديدة لأنني أحب السفر. كنت قد سافرُت كثيراً منذ عام 1975 حين كنتُ في لجنة مسرح العالم الثالث في المعهد الدولي للمسرح. وعندما عملتُ في الراديو الفرنسي كان مديري في الإذاعة يتحمل سفراتي ولا يقول شيئاً ولذلك حضرتُ كثيراً من المؤتمرات. وحين تعيّنت مديراً لبيت الثقافة في رين كنت أسافر للبحث عن العروض التي نقدمها في مهرجان الفنون التقليدية.
حنان:
بالمقابل، حين عدتَ في مطلع الستينات لتعمل في وزارة الثقافة بسوريا، هل شعرت بأنك فقدت شيئاً اعتدت عليه في باريس؟
شريف:
لا أبداً. حين عدتُ إلى سوريا لم أشعر بأي ضيق وقتها. كنت في أوساط لا يمكن الشعور فيها أن سوريا تختلف كثيراً عما هو موجود في فرنسا. ربما كنت أشعر بالتميّز نوعاً ما وقتها كونهم استقدموني كخبير، وقد منحني ذلك شعوراً بالراحة. كذلك كنت مُحاطاً بالأصدقاء: أسعد فضة ونجاة قصاب حسن ورفيق الصبان، لؤي كيالي وفاتح المدرس، وكذلك أفراد عائلتي التي كانت تستقبلني وتحيط بي.
حنان:
وعندما أتيتَ إلى سوريا في 2008 كعضو في مجلس أمناء دمشق عاصمة الثقافة العربية، كيف كان انطباعك عن دمشق وقتها. أنا شعرتُ أنك كنت سعيداً، وأنك تحب المدينة، حتى أنك فكرت على ما أذكر بشراء بيت فيها. أنت لم تعد إلى المدينة من وقتها، ومع كل التحولات المخيفة التي حصلت منذ2011 ، ما هو انطباعك عمّا جرى؟
شريف:
صحيح أني كنت سعيد جداً بما لمسته في سورية في عامي 2007 و 2008، لكنني رأيت الأمور وقتها بمنظار مختلف. فمقابل كل تلك الفورة الثقافية في دمشق في تلك السنة، كان هناك شيء آخر مختلف تماماً يتفاعل في أمكنة أخرى. لقد اكتشفت وقتها الجانب المحافظ من المجتمع، والذي يختلف عمّا عرفته عندما كنت أتنقل بين بيروت ودمشق.. فحين التقيت بعائلتي في 2007، ورأيت جميع أفرادها، أذهلني كم أنها عائلة محافظة جداً. عمتي كانت متدينّة جداً وتزوجت محامياً شديد التديّن أيضاً. أحد أبناء عمومتي بنى جامعاً، وهناك آخر كان مديراً للأوقاف. هذا الجانب لم أكن أعرفه من قبل، ولم يخطر على بالي أنه موجود في عائلتي نفسها. صحيح أن جدي كان شيخاً تقليدياً، لكنني أذكر أنه في عيد الميلاد عندما كنا صغاراً، كان يأتي إلى البيت حاملاً الهدايا لنا. كانت العقليات مختلفة آنذاك. لا أعرف ما كان موقف أمي التي جاءت من أوروبا إلى وسط عائلة محافظة لأنها ما كانت تتحدث عن ذلك أبداً ولم تظهر مشاعرها إزاء هذا التفاوت بأي شكل من الأشكال. أفكر الآن كم كان الأمر صعباً عليها.
أدركت وقتها كم أن ذلك البلد كان يعيش حالة ازدواجية. كانت هناك سوريتان: سوريا الناس الذين أعرفهم، سوريا المثقفين الذين كانوا يعيشون بشكل جيد ويمارسون حياتهم بشكل طبيعي، وفي الجانب الآخر سوريا جميع الآخرين الذين كانوا يعيشون حياة صعبة. كان هناك قطع جذري لا يمكن أن نشعر به في الأوساط التي نعيش فيها. ما حصل بعد2011 آلمني جداً. صحيح أني كنت بعيداً ولم أستطع أن أعيش عن كثب الرعب الذي كان يحصل. لكن بصراحة، كنت أشعر بأني أريد أن أحفظ روابطي مع سورية التي عرفتها في أجمل أوقاتها. آلمني جداً ما حصل، آلمني أن أدرك أن هذا البلد الذي كان عندما عدت لرؤيته جميلاً وهادئاً راح ينهار بتلك الطريقة. كانت لديّ هواجس تجاه الدمار والقتل والعنف والموت. كل ذلك بقي ماثلاً في ذهني، وهذا رهيب.

فاصلة…

حنان:
لقد قطعتَ شوطاً كبيراً يا شريف في السير على دروب ثقافات العالم، وقمتَ بأشياء كثيرة تركت علامات في المشهد الثقافي العربي والعالمي. تحدثنا عن بعض هذه الأشياء، ولم تسنح لنا فرصة ذكر بعضها الآخر مثل احتفالية “فينيسيا بوابة الشرق” Venise, Porte de l’Orient التي نظمتها مع فرانسواز في باليه رويالPalais Royal ؛ واحتفالية “ايسلندا من جليد ومن نار” Islande, de Glace et de Feu التي نظّمتها وأدرتها في عام 2004في بيت ثقافات العالم في فرنسا.
بالإضافة لذلك، لم يتح لنا أن نتحدث عن مناصب ثقافية هامة شغلتها خارج فرنسا. فبالإضافة لأنك كنت عضو مجلس أمناء احتفالية دمشق عاصمة الثقافة العربية لعام 2008 ، صرت المدير الفني لمهرجان موازين في الرباط، والمدير الفني لمهرجان فاس للموسيقى، وعملت كأمين عام مسؤول عن أزمنة المغرب في فرنسا ما بين 2002و 2005، كما أنك عضو في الأكاديمية الأوروبية للفنون والآداب… وغير ذلك كثير.
لم تذهب جهودك في مهبّ الريح؛ فقد نلتَ الاعتراف بأهمية دورك في نشر ثقافات العالم؛ وحصلتَ على تقدير هيئات ثقافية هامة، ونلتَ أهم الجوائز من بينها جائزة اليونسكو-الشارقة للثقافة العربية لعام 2010 ؛ وحصلتَ على عدة أوسمة من آيسلندا وكوريا الجنوبية واليابان، وكذلك من فرنسا التي قلّدتك أرفع وسام في الجمهورية وهو وسام جوقة الشرف.
لكن الأهم من كل ذلك هو وجود جائزة باسمك يمنحها منذ عام 2012بيت ثقافات العالم.
لم تذكر هذه الجائزة ولا مرة، وكان يمكن ألا أعلم بها لولا أني اكتشفت وجودها على الانترنت بالصدفة اليوم وأنا أتصفح نشاطات بيت ثقافات العالم. هل يمكن أن تشرح لي أكثر عن هذه الجائزة؟

شريف:
أُُطلقت الجائزة بمناسبة مرور أربعين سنة على تأسيس بيت ثقافات العالم، وقد ارتأى مجلس المؤسسة أن تكون بإسمي، وهذا مؤثر جداً. تهدف هذه الجائزة إلى التشجيع على الاعتراف بأشكال التعبير الهامة في مجال التنوع الثقافي حول العالم، على الأخص تلك المرتبطة بأشكال متعددة من العروض مثل المسرح وعروض الدمى والأداء الطقوسي أو الرمزي وأشكال التعبير الموسيقية أو الراقصة، على أن تكون هذه الأشكال غير معروفة من الجمهور الفرنسي، أو لم يتم توثيقها كفاية.
الجائزة مخصّصة لمن لديه مشروع بحث في هذه المجالات لأنه يُفترض أن تسمح له الجائزة أن يكمل مشروعه البحثي من خلال تقديم فرصة الحضور إلى فرنسا ضمن إطار مهرجان المخيلة.
حنان:
قد تكون هذه الجائزة التي تحمل اسمك أجمل تقدير نِلتَه بعد كل هذه المرحلة الغنية من البحث والعمل.
الآن وأنت في مرحلة التقاعد، وتعيش مع فرانسواز في الريف الهادئ في بروتانيا. هل تشعر بالحنين إلى فترة النشاط المكثّف التي كنت تعيشها من قبل، أم أن هذا الهدوء كان ضرورياً لك بعد كل تلك الحياة الغنية؟
شريف:
ليس لدي أي حنين للنشاط المكثّف لأني أعتقد أني قمتُ بكل ما كنتُ أحلم بالقيام به. ويسعدني اليوم أن أستقرَّ وأبقى في مكاني لا أتحرك. لقد أمضيت سنوات وأنا أنتقل من طائرة لأخرى ومن بلد لآخر، وحان الوقت لأن أعيش فترة هادئة مستقرة مليئة بالسعادة والراحة.