الحلقة ٦ - ٥ كانون الثاني ٢٠٢١
حنان:
ما الذي حصل معك بعد أن تركت دمشق؟ إلى أين ذهبت أنت وفرانسواز؟ عدتما إلى فرنسا؟
شريف:
لا. فرانسواز التي كانت تعلم في مدرسة اللايك في دمشق طلبت أن يتم نقلها إلى الجزائر. ذهبت معها إلى هناك. كانت الحياة المسرحية مليئة بالحيوية في الجزائر، لكنها كانت قد توقفت عند وصولنا. وبالتالي كان عليّ أن أكتفي بالكتابة دون الإخراج.
ذهبت إلى مجلة لو سوار ورحت أكتب صفحتين كل يوم عن الثقافة والمسرح. كان عبد القادر ولد عبد الرحمن كاكي يعمل في وهران، وكان مصطفى كاتب مديراً للمسرح الوطني الذي أغلق وقتها لسبب أجهله.
في يوم من الأيام، تلقيت رسالة من سلمان قطاية.
حنان:
سلمان قطاية أم سليم قطاية ؟
شريف:
لا. الرسالة أتتني من سلمان، وهو شقيق سليم قطاية الذي كان يعمل في التلفزيون قبل وفاته المبكرة. أنا تعرّفت على سلمان في باريس وصرنا أصدقاء قبل أن ينتقل إلى الجزائر.
في إحدى المرات التي كان فيها سلمان قطاية في زيارة إلى تونس، علم أن هناك نيّة لتأسيس مركز ثقافي دولي في الحمامات بتونس بناء على فكرة أطلقها سيسيل حوراني، وهو لبناني مثقف كان مستشار الرئيس الحبيب بورقيبة. اقترح قطاية اسمي لإدارة هذا المركز. وبالفعل طلبني علي بن عياد الذي كان مدير المسرح البلدي في الحمامات وعرض عليّ العمل هناك فقبلت. أرسلوا لي بطاقة طائرة وسألوني عما يمكن أن أقترحه لهذا المركز الجديد، وإن كانت لدي أفكار مبتكرة لإطلاقه.
قلت لهم لماذا لا ننظم لقاءً يضم المسرحين العرب ونرى ما هي الأفكار التي يمكن أن تكون لديهم عن تطوير المسرح؟ وبالفعل، دعونا الطيب الصديقي من المغرب وولد عبد الرحمن كاكي من الجزائر وانطوان ملتقى من لبنان، وعلي الراعي من مصر، وعلي بن عياد من تونس بالإضافة إلى مخرج أردني نسيت اسمه. وقد كتبنا بشكل مشترك نصاً هاماً حول المسرح العربي. كان ذلك في عام 1965.

في الصورة أنطوان ملتقى (لبنان) ولد عبدالرحمن الملقب بكاكي (الجزائر)، كلود بلانسون (مدير مسرح الأمم)، الطيب صديقي (المغرب)، شريف خزندار (سورية)، علي بن عياد (تونس)، فرانسواز غروند (زوجة شريف خزندار).
حنان:
لم أعرف علي بن عياد ولا التقيت به. هل يمكن أن تحدثني أكثر عنه؟
شريف:
علي بن عياد كان ممثلاً محبوباً جداً يعرفه الشباب والأطفال في الشارع. وهو الذي فتح شهية الناس للمسرح في تونس. كان معروفاً لدرجة أنه في مرة من المرات كان يقود سيارته بسرعة تجاوزت الحد المسموح فأوقفه الشرطي. اعتذر بن عياد قائلاً إنه أسرع لأنه لا يريد التأخر عن المسرح، فأجابه الشرطي: لهذا السبب بالذات يجب أن تدفع مخالفة. أنت ممثل ممتاز، ولأنك ممثل ممتاز يجب ألا تخاطر بحياتك.
كان علي بالفعل إنساناً شغوفاً بالمسرح ساهم في إعداد كثير من المسرحيين في تونس، و يمكن أن نقول إنه هو الذي زرع بذرة المسرح في ذلك البلد، وبتأثير منه شكّل المسرحيون الفرق التي لعبت فيما بعد دورها في نهضة المسرح التونسي. أي أنه كان في تونس مثل جان فيلار في فرنسا. الرئيس بورقية أيضاً كان يحبه ويدعمه حتى أنه قدم له سيارة هدية.

للأسف رحل علي بن عياد في وقت مبكر، وبموته فقد المسرح أشياء كثيرة. المؤلم أنه توفي في باريس بعد سهرة أمضيناها معاً. كان قد أتى إلى باريس ليناقش المسرحية التي كتبتها فرانسواز عن فلسطين وعنوانها “الحقل”. أمضينا السهرة معاً وتكلمنا عن طريقة إخراجها وأردنا أن نخرج للعشاء في مكان ما لكنه قال إنه يشعر بالتعب. وتوفي في الليلة نفسها.
لم يستطع أحد أن يملأ المكانة التي شغلها علي بن عياد في تاريخ المسرح التونسي سواء كمدير لفرقة مدينة تونس أو كمدير للمسرح الوطني. جاء بعده كثيرون أداروا المسرح الوطني منهم محمد كوكة ومحسن بن عبدالله وغيرهم… لكن علي بن عياد يظل علامة فارقة في تاريخ المسرح التونسي.
حنان:
هل قمت بنشاطات أخرى في تونس بالإضافة إلى الندوة عن المسرح العربي الحديث؟
شريف:
طبعاً كانت لدي نشاطات كثيرة. على الصعيد الشخصي اقترح عليّ علي بن عياد أن أخرج مسرحية للمسرح البلدي الذي كان يديره، فقمت باخراج “مجنون ليلى” لشوقي، ولعب علي بن عياد الدور الرئيسي فيها، دور قيس. كما لعبت منى نور الدين دور ليلى. كان ذلك في عام ١٩٦٥. كان العرض جميلاً جداً وبقي في أذهان الناس لفترة طويلة.
أما في مركز الحمامات فقد أطلقنا أثناء تلك الندوة عن المسرح العربي الحديث فكرة تأسيس مركز للدراسات العليا المسرحية يكون شبيهاً بما تقوم به جامعة مسرح الأمم من جهة السماح للشباب المتدربين أن يلتقوا بأهم العاملين في المسرح، وأن يقوموا بمشاريع مسرحية مشتركة. وبالفعل قام المركز بدعوة كلود بلانسون Claude Planson مؤسس مسرح الأمم، وجان داركانت Jean Darcante الأمين العام للمعهد الدولي للمسرح ITI ، وبيتر بروك، وميشيل كوكوسوفسكي Michelle Kokosowski من فرنسا، وجون ليتلوود Joan Littlewoodويان كوت Ian Kott من بريطانيا، وجيان فرانكو دي بوزيو Bosio de Gianfranco من إيطاليا، ومخرجين آخرين من البرلينر انسامبل في ألمانيا وغيرهم. المتدربون كانوا حوالي عشرين شاباً وشابة كانت من بينهم نضال الأشقر. وهكذا تم تنظيم أول دورة من مركز الدراسات العليا المسرحية Centre des Hautes Etudes Théâtrales الذي أداره كلود بلانسون، وكنت أنا مساعده.

عندما التقيت بسيسيل حوراني بعد نجاح هذا اللقاء عرض عليّ أن أبقى في الحمامات وأعمل فيها كمدير للمسرح فقبلت وبقيت فيها سنتين. كان المكان رائعاً على شاطئ البحر. وكانت مهمتي هي دعوة أشخاص من مجالات الثقافة المختلفة ليبقوا أسبوعاً أو أسبوعين ليكتبوا ويعملوا فيما يشبه الإقامة الإبداعية. وبهذه الطريقة لعب المركز دوراً في تأهيل ودعم مثقفين من جميع أنحاء العالم.
في مرة من المرات في عام 1966، وبعد أن عدت إلى الحمامات من رحلة إلى الهند لحضور ندوة ولقاءات عن المسرح في الشرق والغرب، علمت أنه قد تم في غيابي تأميم المركز الذي أخذته وزارة الثقافة وعيّنوا فيه مديراً آخر غير مديره القديم سيسيل حوراني.
لم أعرف ما الذي يمكن أن أفعله أمام هذا التغيير. اتصلت بعلي بن عياد لأستفهم عن الأمر، وذهبت إلى تونس العاصمة حيث كانت فرانسواز قد سبقتني هي وابننا. أثناء ذلك كان الطيب الصديقي قد علم بالتغييرات في تونس فدعاني للذهاب إلى المغرب وقال لي أنه ينتظرني هناك. طبعا قبلنا واخذنا سيارة للسفر إلى المغرب، وذهب معنا سوم بينيغال Som Benegal المسؤول عن تنظيم لقاءات “شرق غرب مسرح” في دلهي، والذي كان قد وصل إلى تونس عندما كنا على وشك الرحيل باتجاه المغرب.
في المغرب بدأنا نبحث عن شيء نفعله في هذا البلد الذي لم نكن نعرفه. كان الطيب صديقي يدير مسرح كازابلانكا وقد أمضينا شهراً عنده وكان يدعوني لأرى ما يفعل. طلب مني وقتها أن أقوم بجولة في الأقاليم وأن أعيد تقديم مسرحيات التي قدمتها في الحمامات وهي “الشريط الأخير” لبيكيت التي مثلتها أنا، و”تلك الأيام الجميلة” التي أخرجتها ولعبت فيها فرانسواز الدور النسائي.
حنان:
الطيب الصديقي شخص فريد من نوعه، وأداؤه على المسرح فيه كثير من الحيوية. وقد أتى عدة مرات إلى مهرجان دمشق المسرحي. في إحدى المرات كاد جدار مسرح الحمراء الزجاجي ينهار تحت ثقل الجمهور القادم لحضور عرضه.
أنت عرفته كصديق. هل كانت لديه الجذوة نفسها في الحياة؟

شريف:
الطيب صديقي شخص عبقري ومجنون نوعاً ما. كان ممثلاً كبيراً ولديه حضور حقيقي على الخشبة لقدرته على إثارة انتباه الجمهور. كان في الوقت نفسه مثقفاً للغاية وذكياً ولمّاحاً ويحفظ كل شيء، وقد عرف المسرح الفرنسي بشكل ممتاز والمسرح العربي. كانت لديه ذاكرة قوية تجعله يتذكر كل شيء بالتفصيل، وعنده قدرة كبيرة على المزاح والضحك. هو شخصية فريدة أقرب إلى شخصية المهرج clown بالمعني المسرحي للكلمة، ولذا كانت عروضه قريبة من الجمهور. وكان هذا همّه بالفعل لأنه يحب أن يثير اهتمام الجمهور، وأن ينظر إليه كل الناس أينما ذهب. سرّ نجاحه أن مسرحه لم يكن مسرحاً للنخبة وإنما يتجه للجمهور المغربي ولكل الجماهير ويستمد مواضيعه من التقاليد الشعبية. كان يرتجل كثيراً ولديه قدرة على أداء أي شيء وعلى إلقاء النكات بحرية كبيرة، وهذا ما جعل عروضه رائعة لأنها لم تكن متشابهة أبداً، وفي كل يوم يقدم فيه العرض كان يبتكر شيئاً جديداً تماماً مثلما يفعل المهرج الذي يلعب حسب ردود أفعال الجمهور. ما قلته صحيح عن استعادته لتقاليد المسرح الشعبي، وقد فعل ذلك دون تكلف أو فوقية لأنه كان يقدم عروضه في الساحات؛ ولم تكن عروضه متكررة بل يقدم في كل مرة شيئاً جديداً. كانت لديه موهبة لفت الانتباه، ويحب أن يهتم به كل الناس وأن يكون محور النظر، ومسرحه كان هكذا أيضاً يشد الناس إليه. كان قريباً من الجمهور، وفي الوقت نفسه يعي تماماً ما يفعل. كان شخصية رائعة ومثيرة أقرب إلى ما نسميه الصعلوك voyou بالمعنى المحبب للكلمة. على سبيل المثال، في يوم العيد، كان الملك يصل على حصانه إلى الساحة فيقترب منه الصديقي ويمسك بقدمه ويناديه ويطلب المال منه. وهكذا كان يحصل على تمويله. كذلك كان يذهب إلى القصر فيًضحك الملك الذي يُسّر بوجوده ويعطيه ما يلزمه من المال. لقد استطاع الحصول على تمويل لمسرحه من كونه مهرج الملك بالمعنى المسرحي للكلمة Le bouffon du roi ، تماماً كما كان يتم الأمر في الماضي. كان متجذرا في التقاليد الشعبية ويعرف الطقوس والعادات وأشكال الفرجة الشعبية، وفي الوقت نفسه كان يعرف كل ما يجري في المسرح العالمي. من النادر أن تجدي مثله شخصاً مغربياً بحتاً، وفي الوقت نفسه منفتحاً على العالم.
حنان:
يبدو أن تنقلك من بلد لآخر كان مجالاً للتعرف في كل مرة على أجواء جديدة، وكلها كانت إيجابية.
شريف:
لم تكن دائماً إيجابية للأسف! ففي تلك الجولة إلى الأقاليم التي طلب مني الصدّيقي أن أقوم بها لتقديم المسرحيات، كان وجهتنا الأولى مكان فيه معمل فوسفات في جنوب المغرب اسمه خريبكة. لم يكن في المكان مسرح وإنما قاعة كبيرة مخصصة لطعام العمال. قمنا بوضع ديكورات من الأقمشة وقدمنا مسرحية “المحطة” التي كانت مدتها عشرون دقيقة.
أثناء العرض ساد الصمت في القاعة، ولم يصفق أحد بعد انتهائه. بعدها كان مُقرراً أن أقدم مسرحية “الشريط الأخير” لبيكيت التي كنت أمثل الدور فيها. بدأ العرض، وبعد خمس دقائق بدأت الهمهمة تتصاعد في الصالة. ازدادت الضجة تدريجياً، وراح التقنيون يشيرون إليّ أن أتوقف لكنني لم أفهم، وتابعت الأداء. بدأت الضجة تصبح قوية جداً، وصار العمال يتكلمون بصوت عال حتى جاء أحد التقنيين وشدني إلى الكواليس في حين بدأ الحضور يرمون علينا كل ما يقع تحت أيديهم من أغراض. ركبنا السيارة وهربنا وأوقفنا الجولة.
حنان:
كأنك تروي لي فيلماً سينمائياً. هل كان تقبّل العمال للعرض المسرحي على تلك الدرجة من السوء؟ هذا يناقض كل النظريات التي انتشرت في الستينيات عن المسرح كوسيلة تغيير، وعن البعد السياسي للمسرح، وعن العروض لجمهور مختلف من العمال والفلاحين… هل أكملت العمل في المغرب بعد هذا الإحباط الكبير؟
شريف:
لا لم أكمل رغم أنه عُرض عليّ أن أصبح مسؤولاً عن مسرح هناك.
الحقيقة أني لم أرغب في حياتي أن أفرّق بين أشكال المسرح، وأن أحدّد أنواعها حسب نوعية الجمهور. كنت دائماً أدافع عن فكرة احترام الجمهور التي هي بالأصل من التعاليم الهامة التي أطلقها بريشت ولعبت دوراً في توجيه عمله في المسرح. كان يقول إنه لا يوجد مسرح لهؤلاء ومسرح للآخرين. يجب احترام الجمهور أيّاً كان.
لكن في تلك القصة التي حصلت في المغرب، لم تكن المشكلة لا في العرض ولا في الجمهور. كانت المشكلة هي الخدعة حول نوعية البضاعة، فقد كان العمال ينتظرون عرضاً ترفيهياً فيه منوعات (ولذلك كانت القاعة مزينة بالستائر وحبال الزهور)، وقد خيبّنا أملهم حين قدمنا “الشريط الأخير” لبيكيت. كانت تلك التجربة إحدى النكات التي كان الطيب الصديقي يحب أن يطلقها من وقت لآخر.
وبشكل عام في تلك الفترة كنا شباباً. وفي ذلك العمر، نعتقد أننا نستطيع أن نغيّر العالم. مررت بتلك الفترة وكنت أعتقد أنني أستطيع أن أغيًر أشياء كثيرة، خاصة أنني كنت مُشبعاً بتعاليم مدرسة بريشت. وكنت في ذلك العمر أقرب إلى الشيوعيين مني إلى اليساريين، رغم أني لم أفهم في حياتي الفروقات بين الأحزاب اليسارية.
حنان:
ألم تنتسب إلى أي حزب في فرنسا؟ كانت تلك الفترة قمة التقابل السياسي والايديولوجي بين اليمين واليسار، وكان “لزاماً” على جميع الفنانين والمثقفين أن يكونوا من اليسار.
شريف:
بلى. انتميت في 1972 أو 1973 إلى حزب أقرب إلى اليسار ويرتبط بديغول واسمه الجبهة التقدمية. كان حزباً صغيراً يضم أشخاصاً يؤمنون أن ديغول كان من اليسار. وبالفعل هو الذي أعطى الحقوق للمرأة وأسّس الضمان الاجتماعي. لكنه كان محاطا بأشخاص من اليمين. لقد أسّسنا هذا الحزب مع أصدقاء الجنرال. كنا حوالي عشرين شخصاً فقط، وتقدمنا إلى الانتخابات التشريعية في باريس، لا بل أنني شاركت في الحملة بعدة دقائق تحدثت فيها على شاشة التلفزيون. كان ذلك قبل ذهابي إلى رين في 1973. بعد ذلك بقيت في الحزب دون أن أتابع النشاط بشكل جدي حتى اختفى الحزب من تلقاء نفسه. لهذا السبب صوّتّ لانتخاب ميتران لاحقاً لأنه كان أقرب إلى سياسة ديغول.