الحلقة ٧ - ١٧ كانون الثاني ٢٠٢١
حنان:
بعد أن تركتَ المغرب عدتَ إلى فرنسا. هل كانت ظروف إقامتك أفضل في هذه المرة. هل وجدت عملاً مباشرة؟
شريف:
كان من المنطقي أن أعود للبحث عن فرصة جديدة في المؤسسة التي كنت أعرفها وهي راديو فرانس. تصادف في الفترة نفسها أنني تلقيت برقية من بيير شيفير Pierre Schaeffer الذي كان يعمل في راديو وتلفزيون فرنسا ويدير مكتب أبحاث حول الموسيقى الملموسة La musique concrète وكيفية إدراج كل أنواع الأصوات العادية داخل الموسيقى. كان هذا المكتب معروفاً ببعده التجريبي، والبرنامج الهام الذي يقدمه بمثابة ثورة في مجال الصوت. عملت هناك في الفترة ما بين 1968 و 1973.
حنان:
هناك من كتب مرة: “في حين أن فن التصوير الذي هو بالأصل تمثيلي صار يجنح نحو التجريد، ها هي الموسيقى التي هي فن مجرّد تماماً تحاول أن تصبح فناً ملموساً”. كانت تلك فترة تجارب حول كل أنواع الفنون، ومن بينها الموسيقى. ربما كان من حظك أنك كنت موجوداً وقتها في راديو وتلفزيون فرنسا. هي مصادفة سعيدة أخرى؟
شريف:
تماماً مصادفة سعيدة لأني كنت قد عرفت بيير شيفير في بيروت، وقد التقيت به في بيت زوجة السفير الكندي. وعندما عاد إلى فرنسا قرر أن يعدّ فيلماً عن سورية عنوانه “سورية. ألفا عام من الحضارة”، وأراد مني أن أقوم بالتعليق على الفيلم. بالفعل ذهبت للقائه وتحدثنا وسألني عمّا أفعله في باريس. حدثته عن مشروع كان عندي عن الشعر العربي. شرحتُ له أني كنت أفكر كثيراً بالشعر الكلاسيكي وطريقة إلقائه بخطابية كبيرة، وكيف أن بحور الشعر ذات علاقة وثيقة بالموسيقى، وتختلف حسب موضوع القصيدة، وأن قصائد الشعر في الجاهلية كانت مكتوبة لتغُنى في الأسواق. كانت فكرتي أن يتم تصوير فيلم يقوم فيه عمر أميرلاي بغناء الشعر بمرافقة موسيقى يعزفها موسيقي تونسي هو فوزي صايغ.
حنان:
عمر أميرلاي يغني؟ !!
شريف:
لم يكن يغني. أنا الذي طلبت منه أن يغني.

المهم أن شافير أعجب بالمشروع ووافق عليه ووظفني لأقوم بهذا البحث. وبالفعل قمنا بتسجيل الفيلم مع القصائد المغناة لكن للأسف لم يتم بث الفيلم لأن المخرج توفي بعدها فلم يتم إنهاء المشروع.
اشتغلت عدة شهور في هذا القسم وكان مشروعاً مهماً بالنسبة لي لكني لم أقتصر عليه. قمت بأشياء أخرى في الوقت نفسه. ففي برلين كان يتم في تلك الفترة تنظيم احتفال ضخم عن بريشت دعي إليه كل المخرجين الذين قاموا بإخراج أعماله. ومن العالم العربي اختاروني أنا وطلبوا مني أن أحضّر لتقديم مسرحية “الاستثناء والقاعدة” بالعربية. قبلت الفكرة وذهبت إلى البرلينر أنسامبل في برلين للمرة الثانية. التقيت بهيلين فايغل Helene Weigel زوجة بريشت والفريق الذي يعمل في البرلينر أنسامبل، واتفقنا على القيام بالعمل. كان عليّ أن أجد ممثلين من العرب، فاستعرضت الطلاب الموجودين في ألمانيا ووجدت بعض الهواة من بينهم. لم يزعجني ذلك لأنني كنت قد رسمت صورة في ذهني لكيفية تقديم العرض. كنت في دمشق قد قمت بتنفيذ جميع تعاليم بريشت كما هي موجودة في الكتاب الذي يحتوي على تفاصيل الإخراج التي حدّدها هو ولا تجوز مخالفتها. لكني فكرت أنه لا يمكن أن أفعل الشيء نفسه في برلين. لذلك قررت أن أوضّع حدث المسرحية في سورية. وبالفعل كانت فرانسواز مسؤولة عن الديكور والملابس، فقامت بخياطة ملابس سورية ووجدنا ما نبحث عنه من أكسسوارات تعطي الطابع المحلي. بدأنا التمارين لكن هيلين فايغل اتصلت بي بعد أيام وقالت لي: أنت هنا في البرلينر أنسامبل، وهنا مسرح بريشت. وما تقوم به ليس ما نريده! قلت لها إنني أبحث عن كيفية تقديم بريشت اليوم في سياق آخر. لكنها كانت متشبثة تماماً بتعاليم بريشت الموجودة في الكتاب، والتي تشكل نموذجاً يجب اتباعه. لم تقبل بأي شكل من الأشكال أن يتم تغيير هذه التعاليم. لكن التغيير كان مطلوباً من عدد كبير من المسرحيين في البرلينر أنسامبل، وأذكر أن جميع من كانوا يأتون لحضور البروفات من ممثلين ومخرجين شباب ممن كانوا قد عملوا مع بريشت كانوا يريدون الخلاص من ذلك الالتزام الحرفي المفروض عليهم بتلك التعاليم.
كان الالتزام حرفياً لدرجة أن هناك حادثة مضحكة تتعلق بتقديم مسرحية “دائرة الطباشير القوقازية”، إذ كان هناك حبل يمتد على عرض المسرح. جميع المخرجين في اسبانيا وايطاليا كانوا يقدمون المسرحية مع وجود هذا الحبل. تصادف أن تساءل أحدهم عن معنى هذا الحبل وسبب وجوده في الإخراج فأجاب المخرجون أن الحبل كان في صورة العرض الأصلي كما تم تقديمه في زمن بريشت، فالتزموا به دون معرفة معناه، ويبدو أن وجوده كان مجرد صدفة.
كانت لدى المسرحيين الشباب رغبة حقيقية بتقديم بريشت كما يروه هم مع الالتزام بروحية النص. ولذلك كان العرض الذي قدمتُه أنا بمثابة ثورة. تعقّد الأمر كثيراً وكاد أن يتم إلغاء العرض، لكن السلطات الألمانية تدخّلت لأنها كانت تريد أن يُقدم بريشت بالعربية. كان ذلك ضمن التوجه السياسي لدعم التعاون الثقافي مع البلاد العربية.
حنان:
هل استطعت بعدها أن تفرض وجهة نظرك على هيلين فايغل؟ أعرف أنها كانت تدافع بشراسة عن النموذج البريشتي والمحافظة عليه.
شريف:
لم تحضر هيلين فايغل التدريبات لكنها أتت يوم العرض وشهدت النجاح الكبير الذي حقّقه، والتصفيق الذي واكب تقديمه، فأتت لعندي وقالت إنها تريد أن تقوم بتسجيل العرض. وبالفعل قدّمناه في اليوم التالي وتم تصويره ووضعت عليه ترجمة باللغات العربية والفرنسية والانجليزية والألمانية، وتم توزيعه على المراكز الثقافية الألمانية في العالم. الفيلم 16ملم وهو موجود لديّ ضمن مقتنياتي الخاصة. ولا شك أنه موجود في المراكز الثقافية الألمانية التي هي بحد ذاتها لم تعد موجودة.

حنان:
يجب أن تؤسس متحفاً للوثائق التي تملكها يا شريف. ما تمتلكه جزء من التاريخ.
هل تحسنت العلاقة مع فايغل بعد ذلك؟
شريف: طبعاً صرنا أصدقاء أنا وهيلين فايغل بعد هذه الحادثة، وقد صوّرتُ رحلتها الأخيرة إلى باريس، وقدمت لي آخر كتاب لها هو “الأم شجاعة”. والغريب أنها أثناء كتابة الإهداء غلطت بالتاريخ ووضعت اسم شهر مختلف عن الشهر الذي كانت فيه بحيث كان الاهداء يقع في الفترة التي تلت وفاتها.