الحلقة ٥ - ١٨ كانون الأول ٢٠٢٠
حنان:
لنعد إلى المسرح القومي. أنت عملت في المسرح القومي بدمشق، وفيه أخرجت بريشت مما يدل على أن المسرح القومي كان يقدم أعمالاً طليعية هو الآخر. حدثني عن تلك التجربة بموضوعية رغم أنك تقف على الضفة الثانية.
شريف:
طبعاً عملت في المسرح القومي، وقد سألني نجاة قصاب حسن والدك إن كنت أريد أن أخرج فيه عملاً فاقترحت عليه أن نقدم بريشت الذي كان بنظرياته عن التغريب والمسرح السياسي قد أثار في العالم في تلك الفترة تغييراً جذرياً في النظرة إلى المسرح. اخترت مسرحية “الاستثناء والقاعدة”. لم تكن مترجمة فترجمها والدك مباشرة من أجل العرض، أنجز الترجمة بسرعة كبيرة لكنها كانت جيدة، وأنا أحتفظ بالنص العربي حتى اليوم. وهكذا قدمنا العمل في مسرح القباني، وقامت زوجتي فرانسواز غروند بتصميم الديكور، ونال العرض نجاحاً كبيراً. كان ذلك في عام 1963.







حنان:
لا بد أن هذا النجاح قد فتح لك أبواب الإخراج على مصراعيها.
شريف:
ليس تماماً فقد حدث شيء غريب جداً. في أول ليلة عرض كان الوزير سامي الجندي حاضراً. جاء إلى الكواليس بعد انتهائه بينما كنت أتكلم مع الممثلين. قال لي: هل لديك في البيت شيئاً نشربه؟ أريد أن آتي لعندك. استغربتُ الطلب لأنني كنت أريد أن أكمل الحديث مع الأصدقاء والممثلين، لكنه أصرّ. وبالفعل راح معنا أنا وفرانسواز إلى بيتنا الذي لم يكن فيه سوى قطع أثاث بسيطة وبعض الأطعمة والمشروبات. بدأنا نتحدث، وكان طيلة الوقت يتصل بالهاتف ويتحدث مع أشخاص، ثم يعود ويثرثر معنا. وهكذا حتى مرت ساعة قال لنا بعدها: “الآن سأترككم، فقد دبرّت الأمر: كان رجال المباحث ينتظرونك يا شريف عند الخروج ويريدون أخذك للتحقيق، ولذلك جئت معك إلى البيت لحمايتك!”. لقد حفظت لسامي الجندي ذلك الموقف الشجاع تجاهي، وعندما صار يجيء إلى باريس بعد ذلك بسنوات، كان يتصل بي ونخرج معاً إلى مونمارتر حيث كان يحب أن يذهب. وبعد انتهاء عمله كسفير في فرنسا عاد إلى قريته حيث يعمل كطبيب أسنان واستعاد مهنته ليبتعد عن كل شيء ويتابع الكتابة. ربما كان يريد أن يهرب من الرقابة التي كانت تحيط به من كل جانب.
حنان :
ما الذي في عرض الاستثناء والقاعدة يمكن أن يزعج الأجهزة الأمنية؟ هل أوقفوا المسرحية بعدها؟
شريف:
كان السبب بعض الجمل داخل العرض. بالمقابل، وعلى العكس من المباحث، كانت الصحافة متحمسة للعرض، خاصة وأن الناس اكتشفوا بريشت وقتها. لم يتوقف العرض وعُرضت المسرحية لمدة أسبوعين بنجاح كبير »
شريف:
بعد ذلك أخرجت مسرحية “الجرة المكسورة” لكلايست. وقد ترجمها نجاة كذلك. في تلك المرة كانت الصحافة ضد العرض بشكل كبير وتعرضنا لهجوم شديد بسبب وجود كلمات عامية داخل النص. وهكذا لم تُقدم المسرحية سوى ليلة واحدة.
حنان:
رأيت هذا الهجوم الشديد في قصاصات الصحف التي حفظتها لديك عن الحادثة. كان ذلك لأنها احتوت على بعض الشتائم التي اعتُبرت غير لائقة بخشبة المسرح مثل كلمة “حمار”!! هذه الطهرانية puritanisme في التعامل مع لغة المسرح سمة مميّزة لتلك الفترة. لكن أعجبني أيضاً أن عادل أبو شنب في المقال الذي كتبه عن العرض أثار نقطة توافق اللغة مع طبيعة الشخصيات، وأن جميع الشخصيات لا يمكن أن تتحدث بلغة واحدة.
ولأن الشيء بالشيء يذكر، في نهاية الثمانينيات قدمنا في المعهد العالي للفنون المسرحية عرض تخرج مأخوذ من مسرحية لكاتب ايرلندي هو John Millington Synge عنوانها “فتى الغرب المدلل” The Playboy of the Western World . ولأن النص الانجليزي كان مكتوباً بعامية الفلاحين العميقة، فكّر الدكتور غسان المالح عميد المعهد آنذاك أن تقديمه يجب أن يتم بالعامية السورية، وهو ما حصل. في اليوم التالي للعرض شُنّت حملة قاسية ضد المعهد وضد العامية في المسرح وكان على رأس المنتقدين سعد الله ونوس الذي دافع بحماس عن استخدام اللغة الفصحى في المسرح. أنا مع جمال اللغة العربية ونقائها لكن ليس من الضروري أن يحمل المسرح وحده عبء الحفاظ على اللغة العربية، في حين تقدم الأفلام السينمائية بالعامية ولا يعترض أحد. بالإضافة لذلك لا يمكن أن تعامل جميع النصوص المسرحية بمستوى لغوي واحد.
لكن قلّ لي: هل أثر عليك هذا الهجوم على المسرحية؟
شريف:
لا ليست عندي ذكريات سيئة. ولم يؤثر عليّ النقد. ذلك يحصل دائماً في المسرح، ولست الوحيد الذي يناله النقد. فرفيق الصبان كان ينال نصيبه من هجوم الصحافة أيضاً، خاصة عندما قدم مسرحية “الخجولفيالقصر لتيرسو دي مولينا”. كان علي الجندي على رأس المهاجمين في جريدة البعث.
