الحلقة ٨ - ٢٥ كانون الثاني ٢٠٢١
حنان:
بعد تجربة تقديم الاستثناء والقاعدة في برلين ماذا فعلت؟
شريف:
عُدّت إلى باريس وبدأت أفكر بما أستطيع أن أفعله. قلت لنفسي: بما أني قمت بالإخراج في برلين لماذا لا أستطيع أن أخرج المسرح في فرنسا؟ بدأت أزور المسارح بحثاً عن فرصة لكن لم يقبلني أحد. كل واحد من المخرجين كانت لديه فرقته ومسرحه، ولم يقبلوا هذا الشاب الذي أتى إليهم.
أثناء ذلك ذهبت لأرى شخصاً كان قد أتى في الماضي إلى الحمامات بدعوة من سيسيل حوراني وبقينا على صلة هو إيميل بيازيني Emile Biasini . كان بيازيني قد أطلق مع وزير الثقافة آنذاك أندريه مالرو André Malraux فكرة تأسيس بيوت الثقافة في جميع أرجاء فرنسا. حدثني وقتها ونحن في تونس عن المشروع وقال لي أنهم يريدون أشخاصاً مثلي لتنفيذه، لكننا لم نذهب أبعد من ذلك في هذا المشروع.
في تلك الفترة كان بيازيني قد صار مدير الراديو والتلفزيون الفرنسي. استقبلني بشكل لطيف وقال لي أنه يريد أن يُخرج عدة برامج تلفزيونية عن العالم، وسألني إن كنت أريد أن أشارك ببرامج عن البلاد العربية فقبلت. قال لي أن أبدأ بالاتصال بمعاونه لكي يتم تعييني في الراديو والتلفزيون الفرنسي كناقد درامي، وهكذا وجدت نفسي أعمل في مكتب الأعمال الدرامية في التلفزيون الفرنسي.
تم تعييني في أول 1968أي مع بداية الثورة الطلابية. كانت عندي سيارة صغيرة كنت أجتاز بها باريس لأذهب من ضاحية أنطوني حيث كنت أقيم إلى لا بوت شومون حيث كان التلفزيون. لكن البنزين كان مفقوداً بسبب الحواجز التي يضعها الثوار، وما عدت قادراً على تزويد السيارة بالبنزين، وكان عليّ أن أمر بالأحياء التي كانت تعج بالثوار، وهو أمر لا يخلو من الخطورة.

حنان:
يبدو أنك لم تشارك في الثورة الطلابية التي اندلعت في 1968 ؟ هل كنتَ بعيداً تماماً عمّا كان يحصل في الحي اللاتيني؟
شريف:
لا لم أشارك. ما كانت تلك الحركة تعنيني لأني كنت جديداً على البلاد وما كنت أعرف الأوساط الطلابية. كنت أنظر وأشاهد ولم أتأثر بالحركة. ما كنت أعرف من الحي اللاتيني إلا ما يتعلق بالمكتبات والكتب.
حنان:
أنا على العكس منك تماماً سحرتني ثورة الطلاب في أيار 68. لم أكن في فرنسا وقتها لأني ذهبت إلى باريس للدراسة في عام 7819، أي بعد مرور عشر سنوات على تلك الثورة. كانت البلاد قد هدأت ولم يبقَ سوى التداعيات الإيجابية لتلك الحركة وتأثيرها على منظومة التعليم وعلى النتاج الثقافي والفكري، وعلى الأخص على المسرح الذي راح باتجاه التجريب والاستكشاف والربط بين العلوم الإنسانية وصياغة أدوات التحليل الجديدة. لهذا السبب فُتنت بالحياة في فرنسا وكنت أشعر أنها نعمة أن أكون فيها في تلك الفترة بالذات. كنت أتلمس الأمكنة التي قرأتُ عنها في الكتب مثل مسرح الأوديون حيث اندلعت معركة حقيقية بسبب مسرحية البارافانات لجان جينيه بين من يقف ضد احتلال الجزائر وبين من يقف معه؛ رحت أزور الأمكنة التي شهدت حركات الفن التشكيلي والأدب والفلسفة: ساحات مونمارتر حيث يتجمع الرسامون.. مقاهي سان جيرمان ومونبارناس حيث كان يجلس سارتر وسيمون دوبوفوار وآراغون….
شريف:
أنا أيضاً كنت أجلس في سان جرمان في مقهى Les Deux magots وفي Le Café de Flore لكني لم أكن أذهب إلى مونبارناس حيث كانت المقاهي الشهيرة غالية مثل La Rotondeو ôme Le D.
قلت لك أن الحياة في إقامتي الأولى في باريس ما كانت سهلة أبداً. أذكر أني كنت أجمع العلب الخشبية التي يتركها بائعو الخضار وأتدفأ بنارها لأنني كنت أسكن في غرفة بلا تدفئة. ثم أقمت عند بول غيراغوسيان الذي كان قد حصل على منحة وسكن في غرفة في فندق.
حنان:
الحقيقة أنه لم يخطر على بالي أنك عانيت في حياتك. عندي شعور أنك كنت دائماً “البارون” الذي تنفتح الأبواب أمامه بسهولة.
جميل أن بول غيراغوسيان ساعدك في تلك الفترة. تعرف أنه صديق والدي أيضاً؟ عندي صورة طريفة لهما وهما يرسمان بعضهما.

شريف:
الحقيقة كانت تلك فترة منهكة، لكنها لم تكن عصيبة. بل كانت في الواقع جميلة لأنني عرفت أشياء كثيرة إيجابية. وقتها كنت قد بدأت بالتدرب في مسرح جان فيلار وفي جامعة مسرح الأمم، وهناك التقيت بمخرجين، وهناك تعرفت على فرانسواز وكنا نعمل بالمسرح. وعندما حصلت على منحة، صرت أعيش بشكل طبيعي لأنني كنت قبلها أقوم بأكثر من عمل في الوقت نفسه.
طبعاً عانيت في البداية، ولذلكعندما قال لي أبي أن أعود إلى سورية لأن صديقه سامي الجندي صار وزيراً للثقافة وطلبني للعمل في المسرح في سورية فرحت. كانت تلك نقلة نوعية، ثم حصل ما حصل.

حنان:
لنعد الآن إلى عملك في التلفزيون الفرنسي والذي توافق مع بداية أحداث أيار 68. كيف سارت الأمور بعدها؟
شريف:
لم تسر على ما يرام لأن بيازيني الذي قبلني في التلفزيون ما لبث أن طُرد منه في تلك الفترة، وهذه قصة طويلة: عندما بدأت أحداث أيار 68 كان دوغول رئيساً لفرنسا. اختفى وقتها عن الأنظار ويقال أنه ذهب إلى ألمانيا ليلتقي بالجنرالات القدماء. تساءل الناس عن مكان وجوده. جورج بومبيدو الذي كان رئيس الوزراء ومنافس دوغول السياسي أراد خلال الأحداث أن يستفيد من غياب دوغول وأن يلقي بتصريح في غيابه، فطلب من مدير التلفزيون بيازيني أن يرسل له فريقاً ليصور تصريحه في التلفزيون. لكن بيازيني رفض أن يرسل الفريق لأنه كان من حزب دوغول. كانت النتيجة أن بومبيدو طرده من التلفزيون. في النهاية عاد دوغول، لكن بومبيدو ظل غاضباً لأن بيازيني فوّت عليه فرصة هامة. لم يكن يوجد في فرنسا وقتها سوى قناة واحدة هي قناة الدولة، ولذلك وجدت نفسي وحيدا في التلفزيون، وذهبت المشاريع أدراج الرياح.
حنان:
لاحظت مما تقول، ومما عرفته من متابعتي للمشهد الثقافي في فرنسا أن مدراء المؤسسات المفتاحية يتغيرون مع تغير رؤساء الجمهورية، ومع انتقال الثقل من اليمين إلى اليسار وبالعكس. ألا يسيء ذلك إلى مسار العمل ويوقف مشاريع كان يمكن أن تكون هامة؟
شريف:
لا يتغير كل شيء مع تغير رؤساء الجمهورية وأحزابهم. هناك أشياء مستقرة، وطبقة الموظفين لا تتغير. الوزير يغيّر المدراء المحيطين به فقط. أما توجه القرار العام والتغييرات الجذرية في سياسة الوزارات فتكون بيد المستشار المسؤول عن الوزارة في رئاسة الجمهورية وليس بيد الوزير. وزير الثقافة ليس من يقرّر توجه السياسة الثقافية وإنما يفعل ذلك المستشار المسؤول عن الثقافة في رئاسة الجمهورية. الوزير هو الواجهة، لكن القرارات الهامة تؤخذ في الإليزيه. جاك لانغ كان استثناء لأنه كان يتمتع بثقة ميتران ويتواصل معه مباشرة على عكس الوزراء الآخرين الذين يمرون عبر المستشارين. لهذا السبب، عندما انضمت فرنسا إلى معاهدة حفظ التراث اللامادي، كان من الضروري أن أذهب إلى مستشار شيراك لأقنعه بالتوقيع على المعاهدة.
بالعودة إلى عملي في التلفزيون. الحقيقة أن القسم الذي كنت أعمل فيه كان مهماً لأن جميع المشاريع الدرامية المعروضة على التلفزيون كانت تمر فيه، وأغلب الذين يكتبون روايات أو مسرحيات كانوا يطلبون تقديمها في التلفزيون مما سمح لي أن أطّلع على معظم ما كتب في تلك الفترة.
حنان:
لا شك في أن ذلك لعب دوراً في تعزيز معرفتك بالوسط الثقافي والفني في فرنسا. هل كنت وحدك في ذلك القسم؟
شريف:
لا. كنا عدة أشخاص نقوم بالعمل في القسم إذ نقرأ النصوص ونقوم بتقييمها وندرس إمكانية تحقيقها أو لا. بالإضافة لذلك كان مدير قسم الأعمال الدرامية في راديو تلفزيون فرنسا O.R.T.F شخصاً رائعاً هو أندريه فرانك André Frank الذي كان مسؤولاً عن عروض أنطونان آرتو Antonin Artaud وعن عروض ودفاتر فرقة جان لوي بارو Jean Louis Barrault ومادلين رونو Madeleine Renaud ، أي أنه كان مثقفاً رائعاُ. أصبحنا أصدقاء، وكثيراً ما كنت أذهب معه إلى محلات الأنتيكة التي كان يحبها كثيراً.
حنان:
بما أن القسم كان يتعلق بتقديم المشاريع الدرامية، لا بد أنك التقيت فيه بأشخاص مهمين.
شريف:
طبعاً. في يوم من الأيام أتاني شخص يلبس ملابس قديمة جداً. قال لي أنه يريد أن يخرج فيلماً للتلفزيون، وأخرج لي من كيس نايلون كان يحمله مقتطفات من الصحف ليقول لي من هو.. كدت أقع على الأرض، لأنني عرفته وكان مشهوراً جداً. كان هذا الشخص الماثل أمامي هو المخرج السينمائي آبيل غانس Abel Gance الذي أخرج عدداً كبيراً من الأفلام المهمّة. بعد عدة شهور أتى لزيارتي أيضاً المخرج البرازيلي ألبيرتو كافالكانتي Alberto Cavalcanti .
بقيت سنتين أعمل في هذا المكتب حتى أتانا مدير جديد هو الممثل المعروف جاك داكمين Jacques Dacqmine الذي طلب شخصاً يستطيع أن يعمل معه فاقترحوني، وهكذا وجدت نفسي في نواة التلفزيون. مرت سنة، وأسّسنا مكتب مشاريع البرامج الذي انتقُي لإدارته جورج ايمانويل كلانسييه Georges-Emmanuel Clancier الذي كان شخصاً رائعاً يكتب الشعر والرواية.
أمضيت بعض الوقت في هذا المكتب، وارتحت للعمل في التلفزيون، لكن سرعان ما بدأت أشعر بالرغبة في أن أقوم بشيء آخر.
الحقيقة أني لم أتوقف خلال تلك السنوات عن التفكير بالمسرح، وكنت أشارك أثناء عملي في التلفزيون بكثير من المهرجانات واللقاءات فبقيت على اطلاع على ما يجري بالمسرح في العالم وعلى صلة وثيقة به: كنت أكتب عن المسرح لمجلة جون
آفريك Jeune Afrique . كما كنت أقوم بتحضير ريبورتاجات عن المسرح ضمن برنامج يُقدم في التلفزيون. كذلك كنت أحضر الندوات التي تقام عن المسرح في بيروت.
في تلك الفترة أيضاً كلفتني منظمة اليونسكو بكتابة دراسة عن المسرح العربي.
حنان:
أذكر أن هذا الكتاب كانت له قصة.
شريف:
نعم له قصة إن أردت. فقد نظمت اليونسكو في بيروت طاولات مستديرة حول المسرح والسينما في البلاد العربية. كلّفني أنريكو فولكينيوني Enrico Fulchignoni الذي كان يهتم بالموضوع أن أجمع النقاشات التي تمت في القاعة وقتها. لكني وجدت أن النقاشات لم تغطِ كل شيء، وكان عليّ أن أكمل الموضوع فكتبت عنهما وأضفت أشياء عن الراديو والتلفزيون في تلك البلاد. لكن بعد أن انتهيت من صياغة الكتاب، وقبل أن يذهب للطباعة أرسل فولكينيوني المسودة إلى الوفود العربية، فاعترض الفريق المصري بشدة لأني لم آتِ على ذكر المسرح المصري. والحقيقة أن المصريين وقتها لم يشاركوا في النقاش، بالإضافة إلى أن كل الكتب والمقالات التي تتحدث عن المسرح العربي كانت تستفيض في الحديث عن المسرح المصري ولذلك وجدت من الأفضل أن أكتب عن البلاد الأخرى. أراد فولكينيوني أن يرضيهم فكلّف ندى طوميش eNada Tomich أن تكتب فقرة عن المسرح في مصر. وفي النهاية صدر الكتاب باسم ندى طوميش مع مساهمة من شريف خزندار…
منظمة اليونسكو كلفتني أيضاً بأن أعمل مع جان تارديو Jean Tardieu الذي كان يُعدّ كتاباً عن عظمة الراديو وتدهوره، ولأنه كان كسولًا جداً وتأخر في إنهاء الكتاب، كنت ألتقي به بشكل دائم لأساعده في إنهائه.
في إحدى المرات قال لي أنه يريد نصوصاً للراديو، فأخذت له مسرحية إذاعية من خمس لوحات كنت قد كتبتها عنوانها “سبعة ضد سبعة”. بعد عدة أسابيع تلقيت هاتفاً من مخرج في الإذاعة قال لي أنه تم اختيار تلك المسرحية لتُقدم ضمن القراءات بصوت واحد التي كان يقدمها الراديو والتلفزيون الفرنسي ORTF في بينالي باريس عام 1967، ثم أعيد بثّها في إذاعة فرنسا الثقافية France-Culture . لم أستطع الذهاب وقتها لحضور القراءة لأنني كنت مريضاً، لكنني علمت أن آلان كوني Alain Cuny وهو ممثل هام هو الذي يقوم بالقراءة، وأن ميشيل بولاك Michel Polac هو المخرج.
فيما بعد، وبينما كنت أقلّب في علبة كاملة من النصوص التي تنتظر الموافقة على التقديم في التلفزيون، وجدت نصاً لميشيل بولاك الذي كان قد أخرج مسرحيتي. كان مشروعاً لتقديم تمثيلية تلفزيونية عنوانها “ابن وحيد” Un Fils Unique يتم تصويرها بكاميرا محمولة، وهو ما لم يكن يُستعمل من قبل على الإطلاق في الأعمال الدرامية التلفزيونية. أحببت المشروع ودافعت عنه في الاجتماع الشهري مع مدير التلفزيون فوافق على تقديمه. وقد نالت المسرحية فيما بعد جائزة ايطاليا Prix Italia مما شجّع المخرجين الآخرين على استخدام الطريقة نفسها من أجل تصوير مسلسلات تلفزيونية دون الانطلاق من نص مكتوب مسبقاً. ولقد أسمينا هذه الطريقة الجديدة “الكتابة بالصورة” في حين أن المسلسلات التي تنطلق من نص مكتوب كانت تسمى “الكتابة بالكلمة”. وهكذا أمضيت ست سنوات (1968-1973) في الإذاعة والتلفزيون الفرنسي ORTF أهتم بتشجيع ومتابعة الكتاب الدراميين وتقديم النصح لهم لتقديم أعمالهم في التلفزيون.