الحلقة ٤ - ٢ كانون الأول ٢٠٢٠
حنان:
أنت لم تدرس المسرح بشكل أكاديمي يا شريف، لكنك دخلت المسرح من بابه العريض، من باب الممارسة.
شريف:
صحيح أني لم أدرس المسرح في جامعة أو في الكونسرفاتوار. لكنني انتسبت إلى جامعة مسرح الأمم التي كانت تقدم أفضل تكوين نظري وعملي في مجال المسرح في تلك الأيام.
ما حصل هو أنني في عام 1962عندما كنت في باريس، التقيت في يوم من الأيام في الشارع بالممثلة اللبنانية تيودورا راسي التي كنت قد تعرفت عليها سابقاً في بيروت في نادي الدراما في الجامعة الأميركية، وقمنا معاً وقتها بتقديم قراءات شعرية في دمشق بثلاث لغات.
تصادف أن تيودورا في ذلك اليوم كانت تحمل جريدة فيها إعلان عن جامعة مسرح الأمم. سألتها إن كان يمكن أن أشارك. وبالفعل تسجّلت وتابعت الدروس فيها. كانت هذه الجامعة تقدم حلقات من المعارف النظرية والعملية ودروساً عن تاريخ المسرح على شكل محترفات عملية لمجموعة من الطلاب من جنسيات مختلفة. لم يكن فيها مدرسون بالمعنى التقليدي للكلمة، وإنما رجال مسرح، منهم فرنسيون، ومنهم زائرون أجانب يقدمون أعمالهم في باريس. كان من بينهم مخرجون وكتّاب وممثلون ومصممو ديكور، وغير ذلك من مهن المسرح المختلفة. فكرة جامعة مسرح الأمم هي السماح للمشاركين بتعلم المسرح بالممارسة ولمدة ثلاثة أشهر تنتهي بعروض يقدمها طلاب الجامعة حسب الاختصاص الذي اختاروه. أنا اخترت اختصاص الكتابة فكتبت مسرحية عنوانها “هابيل وحواء” Abel et Eve . اختارت أن تخرجها وقتها صبية اسمها فرانسواز غروند أصبحت فيما بعد زوجتي. التقيت بفرانسواز مرة واحدة فقط لنتحدث عن النص، فاتفقنا على الزواج. لكن تصادف أني تلقيت بعدها مباشرة رسالة من أبي يطلب مني فيها أن أعود بسرعة إلى دمشق لأنه التقى بصديقه سامي الجندي الذي كان قد تعيّن وزيراً للثقافة في سورية، فاقترح عليه أن أعود لأعمل في المسرح هناك. هكذا انهيت دورة مسرح الأمم وعدت إلى سورية وبقيت فرانسواز في باريس لتخرج المسرحية التي لم أحضر أي عرض منها.

| فرانسواز خزندار: مضى علينا معاً أنا وشريف ستون سنة، وهي حياة طويلة. وقعت في حبه وعشنا معاً في غرفته الصغيرة في باريس والتي كنا نضطر أن نمر عبر السطوح للوصول إليها. كنت معلمة في ذلك الوقت، وكنت أرغب بالذهاب إلى سورية. سبقني إلى هناك وأخبر عائلته قائلاً إنه ربما هناك خطيبة له تريد أن تلتحق به هنا. عندما وصلت، بدأ الأهل يحملقون بي. كنت المرأة التي أخذت منهم الأخ أو ابن العم. كان ذلك في شهر حزيران من عام 1963، وتزوجنا في شهر تشرين الأول من السنة نفسها. أثناء التدريب على مسرحية “في الأعماق” جمعنا الناس خلال الاستراحة، وأعلنّا لهم الخبر. |

حنان:
لماذا عدت إلى دمشق؟ ألم تكن سعيداً في باريس، خاصة وأنك في جامعة مسرح الأمم عشت تجربة هامة
شريف:
إقامتي الأولى في فرنسا في بداية الستينات كانت فترة صعبة جداً ومنهكة، لكنها من أجمل الفترات. كان عليّ أن أجد عملاً أو منحة لأعيش. كنت بلا عمل وأعيش في غرفة صغيرة في منطقة مليئة بالمشردين (الكلوشار) في شارع الموفتار، في المنطقة التي يقال أن رامبو وفيرلين سكنا فيها.

حنان:
أنا سعيدة بأن أكتشف هذه التقاطعات بيني وبينك مع وجود فارق زمني. أنا أيضاً سكنت في شارع الموفتار، وأعرف تماماً بيت رامبو وفيرلين وعندي صورة لمدخل البناء. لكني كنت طالبة وعندي منحة، ولذلك استمتعت بالحياة في هذا الشارع الجميل، وما زلت أزوره كلما ذهبت إلى باريس.
هكذا إذن، ما كان من الصعب عليك أن تترك لتذهب إلى سورية حيث ينتظرك عمل كخبير.
شريف:
نعم. كان مثيراً بالنسبة لي أن أذهب إلى وزارة الثقافة وأعمل فيها كخبير في المسارح. صار عندي في الوزارة مكتب أعمل فيه مع امرأة صارت من الممثلات المعروفات في المسرح القومي فيما بعد هي فاطمة الزين.
سأروي لك كيف جرت الأمور منذ البداية. عند وصولي إلى دمشق ذهبت لمقابلة الوزير سامي الجندي وقلت له أني أرغب بالعمل في الوزارة لكن دون أن أتوظف. وافق وقال لي نعم سنعينّك خبيراً في المسرح. وطلب مني أن أذهب إلى مديرية الفنون حيث استقبلني مديرها نجاة قصاب حسن، والدك. تحدث معي نجاة وسألني ماذا أريد أن أفعل. ولأنني لم أكن أعرف ما حالة المسرح في سورية اقترح عليّ أن أذهب في جولة إلى المدن السورية وأرى ما هي الفرق المسرحية الموجودة. وبالفعل أرسلني بسيارة الوزارة حيث زرت عدة مدن وشاهدت الفرق المسرحية التي كانت فرق هواة بدون أي تأهيل. عندما عدت قلت له أنه من غير المعقول أن يقوم المسرح على هؤلاء الأشخاص الذين لا يملكون معرفة كافية بالمسرح، ولا بد من الإشراف عليهم. وهكذا بدون أن أعرف خلقتُ نوعا من الرقابة من الدولة على المسرح لم تكن موجودة وقتها. وهو شيء ندمت عليه فيما بعد.
حنان:
ربما ليست رقابة بالمعنى الذي سيتكرّس فيما بعد. هو إشراف من الوزارة على الحركة المسرحية كما أشرفت على جميع مفاصل الثقافة من موسيقى ورقص وكتابة وترجمة ونشر. كانت الوزارة وليدة، واسمها وقتها “وزارة الثقافة والإرشاد القومي” وهذا وحده له دلالة، لأنه يضع الهدف التعليمي (الإرشاد) والسياسي (القومي) كأولوية في العمل الثقافي الذي ساد ت فيه التطلعات العروبية وتيار الالتزام. لم تُمنع تلك الفرق من العمل، لكن توظيف الفنانين وضمان الراتب الشهري أغرى معظم الممثلين بالانضمام إلى المسرح القومي مما أدى تدريجياً لأن تنحل تلك الفرق أو يبقى وجودها صورياً. بكل الأحوال كانت كلها ذات منحى كوميدي لتكسب الجمهور، وفي بعض الأحيان تقدم الميلودراما التي تُبكي الحضور. كانت تعمل بوحي من المسرح المصري الذي كان يستوحي بدوره من أنواع مسرحية فرنسية خفيفة ومسلية مثل البولفار والفودفيل. ربما لو أتيح لتلك الفرق أن تستمر لكان المسرح أخذ منحى آخر. مع ذلك، لا نستطيع أن ننكر أن تأسيس وزارة الثقافة خلق حركة مسرحية وأدبية وثقافية جيدة وربما كانت ضرورية.
شريف:
صحيح. ذكرياتي عن تلك الفترة أنها لم تكن صعبة على الأطلاق، بل كانت فترة انفتاح ونشاط لا مثيل لهما. أذكر أن المناخ الثقافي في سورية كان مليئاً بالحيوية. دمشق كانت تعيش نفحة من الهواء المنعش حرّك الحياة الثقافية السورية. كانت هناك فورة من النشاطات في جميع الاتجاهات: المعارض التشكيلية، النشر، الترجمة، المسرح، الندوات، وبشكل خاص الصحافة. كانت هناك صحافة معارضة تتحدث بحرية، مما يعني أن حرية التعبير كانت مضمونة، وربما كانت أقوى مما كانت عليه الصحافة المعارضة في فرنسا وقتها.. أذكر على سبيل المثال المضحك المبكي.
حنان:
المضحك المبكي كان يديرها حبيب كحالة، وهو خال كوليت خوري وأتى بعده ابنه سمير كحالة في رئاسة تحرير المجلة
شريف:
لا سمير كحالة لم يكن رئيس تحرير المضحك المبكي بل كان يرسم الكاريكاتور فيها. وقد رسمني مرتين. كان رفيقي في الصف مع فارس خوري شقيق كوليت

حنان:
يبدو أن مناخ الديموقراطية الذي كان يميّز الخمسينيات ظل سائداً لفترة بعد استلام حزب البعث للسلطة. الطبقة الوسطى في المدن كانت طبقة مستنيرة ومثقفة تتطلع إلى أن تثبّت أقدامها في المجتمع وتفرض رؤيتها وتجد لها مكانة تختلف عن مكانة البورجوازية الغنية التي قوامها الإقطاعيون والتجار الذين تركوا سورية مع التأميم وذهبوا إلى لبنان وفرنسا. الطبقة الوسطى كانت تتميز وقتها بكونها مثقفة ومنفتحة على الحداثة وتستمد قوّتها من اهتمامها بالآداب والفنون. في ذلك الوقت كانت البوصلة تتجه نحو الغرب وعناصر الثقافة الغربية.
أنت أيضاً كنتّ من هذه الطبقة الوسطى. ربما كان وضعك مختلفاً بعض الشيء لأن والدتك فرنسية وأنت تعلمت في مدرسة اللاييك..
شريف:
نعم. ربما كانت دراستي في مدرسة فرنسية هي اللاييك سبباً في تعرفي على الثقافة الغربية بشكل عميق لأننا في هذه المدرسة كنا ندرس البرنامج العربي والبرنامج الفرنسي معاً. كانت ساعات الدراسة في المدرسة أطول لكننا استطعنا أن نتأقلم مع ثقافتين مختلفتين.
حنان:
كما ترى، التعرف على الثقافة الغربية كان هدفاً في تلك الفترة. وأعرف من ذكرياتي عن المسرح ومما كان يتحدث به أبي أن المطلوب من المسرح القومي الذي شكلته الوزارة آنذاك كان تأسيس حركة مسرحية يتم فيها تعريف الجمهور بالربرتوار المسرحي العالمي، وأن يكون المسرح هادفاً وملتزماً و”جاداً”.
ذكرياتي عن تلك الفترة واضحة جداً. كنت أستمع لكل ما يقوله أبي في نقاشه عن المسرح وتوجّهاته دون أن أدرك تماماً الأبعاد الكامنة فيما يقول، لكني أستطيع اليوم أن أفسّرها بشكل أوضح. كان في المشهد المسرحي في سورية توجّهان، ربما كانا مُتناقضين: المسرح القومي في إطار وزارة الثقافة، وفيه مجموعة من المخرجين والممثلين من جهة؛ ورفيق الصبان والمجموعة التي استقطبها حوله من جهة أخرى. في البداية، عمل الصبان في المسرح القومي، لكنه صار فيما بعد يعمل بشكل مستقل ويدرّب الممثلين في بيته، ثم أسّس “ندوة الفكر والفن” التي جمعت نخبة من المثقفين. عمل بعدها في التلفزيون وأسّس فيه فرقة الفنون الدرامية. كان أبي مدير الفنون في وزارة الثقافة آنذاك، وكان هو ورفيق الصبان يلتقيان ويسهران معاً وظلا أصدقاء حتى سفر الصبان إلى مصر. لكني كنت أشعر بحدس الطفلة وجود تباعد بينهما حين يندلع النقاش حول المسرح. الخلاف بين الاثنين في مجال المسرح هو خلاف جمالي وايديولوجي: فوالدي كان أميل لتقديم مسرح متقن واحترافي وجميل وممتع وسهل ومحبّب يعجب المتفرج المثقف ويجذب المتفرج العادي، ولا يكون فيه ما ينفّر الجمهور الواسع بدعوى أن فترة التأسيس تحتاج لأن تجذب الجميع. أما رفيق الصبان فكان يسعى لتقديم كلاسيكيات المسرح باتقان واحتراف، وبشكل أداء يقترب كثيراً من أداء المسرح الفرنسي الكلاسيكي. كان يتوجه في اختياره للأعمال التي يقدمها لجمهور من النخبة مثقف مسرحياً. كان يريد للمسرح في سورية أن يبتعد كلية عن الصورة التي كرّستها أعمال نجيب الريحاني ويوسف وهبي في مصر وغيرهما، وتابعتها من بعدهم في سورية الفرق الخاصة مثل فرقة المسرح الحر التي كان يعمل فيها حكمت محسن، وفرقة سعد الدين بقدونس، بالإضافة إلى ممثلين على درجة من الكفاءة كانوا يتنقلون بين الفرق الخاصة أذكر منهم صبري عياد وتيسير السعدي وخالد تاجا وغيرهم. كان الصبان ينفر من عروض هؤلاء، ويميل لأن يكرّس شكلاً أكثر توافقاً مع توجهات المسرح الغربي الأوربي “الجديّ” و”الجاد” حسب التعبير الذي كان يسود اللغة النقدية في الستينات. وبالتالي كان ما يقدمه شكلاً مختلفاً جداً من المسرح المغرق في كلاسيكيته، والذي لا يعجب سوى قلائل من المتفرجين من النخبة التي جذبتها أعماله من بينهم جورج طرابيشي وأديب غنم وصلحي الوادي.. أنا أظن اليوم أن التيارين كانا موجودين، وقد خلقا معاً نهضة مسرحية في الستينات؛ في حين أن المسرح الشعبي الذي كانت تقدمه الفرق الخاصة انحسر تدريجياً وناله ظلم من احتقار المثقفين له، رغم أنه كان موجوداً وله جمهوره الواسع وكان يضفي حيوية على المشهد المسرحي في سورية.
شريف:
صحيح تماماً هذا الوصف. أنا كنت من الفريق المعجب بعمل رفيق الصبان مع الممثلين الجامعيين في فرقته المستقلة. كان يدرب الممثلين في بيته في منطقة العفيف ويقدم المسرحيات في صالة سينما يستأجرها لتقديم العروض. كان معه في العمل صديق اسمه هشام متولي، وهو شخص هادئ يتكلم قليلاً. كان متولي الذي درس في فرنسا بمثابة العقل المفكّر في المجموعة، ورفيق كان المخرج. لا شك في أن عمل رفيق الصبان كان أكثر احترافية مما كانت تقدمه الفرق الخاصة ومما قدّمه المسرح القومي الذي تأسس في دمشق في تلك الفترة وأداره نهاد قلعي الذي ما كان يعرف أي شيء عن المسرح وقتها. كان رفيق أكثر كلاسيكية، ويحب شكسبير وموليير، في حين أني كنت أميل إلى المعاصرة. مع ذلك، كان ما يقدمه رفيق الصبان أكثر توافقاً مع ما أحب، في حين كانت نظرتي نقدية وقاسية تجاه عروض المسرح القومي. رفيق الصبان كان يتعرض للهجوم من الصحافة، وكنت أدافع عنه لأن المستوى لديه كان مختلفاً. وعندما تركت الوزارة بعد عرض “الجرة المكسورة”، طلب مني الصبان أن أذهب إلى التلفزيون وأعمل معه هناك في فرقته التي كانت مستقلة في البداية، ثم صارت فرقة التلفزيون فيما بعد، واسمها فرقة الفنون الدرامية. وكان يمثل فيها كل من هاني الروماني ومنى واصف وثراء وثناء دبسي وغيرهم. وقد أخرجتُ للفرقة مسرحية “تحت الأعماق” المأخوذة من مسرحية “الحضيض” لغوركي.
حنان:
لينا باتع التي كانت أيضاً في فرقة الفنون الدرامية التابعة لوزارة الإعلام التي كان يديرها رفيق الصبان
قالت لي مرة إن الفرقة كانت تضم أيضاً جانيت عويشق وداهي مورلي وياسر أبو الجبين وفايزة شاويش وغيرهم. قالت لي أنهم قدموا من إخراج الصبان مسرحية “ليدي ماكدوف” المأخوذة من مسرحية “ماكبث” لشكسبير، وأنها مثلت في مسرحية “الأعماق” لغوركي من إخراجك، وكانت فرانسواز غروند مصممة الديكور والملابس.
شريف:
يجب أن نقرّ أن عمل رفيق الصبان كان طليعياً. كانت تلك هي المرة الأولى التي تتأسس فيها في سورية فرقة تهتم بالمسرح داخل التلفزيون دون أن تكون فرقة رسمية. كان التلفزيون يبث بشكل مباشر عروض الفرقة التي تُقدم ضمن استوديوهات التلفزيون، وكذلك العروض التي تقدمها الفرقة على خشبة المسرح العسكري. للأسف لم يبقّ من هذه التجارب المسرحية أي أثر لأن العادة جرت على مسح الشرائط في أرشيف التلفزيون وتسجيل أشياء جديدة عليها لعدم توفر الأموال اللازمة.
لكن عندما تركت سورية في عام 1963، كان دريد لحام قد صار هو النجم الكبير. كان يمثل ذلك التوجه الذي ساد في المسرح السوري لاحقاً والذي كنا نرفضه أنا ورفيق الصبان، وهو التسلية في المسرح على الطريقة المصرية. كنا ندافع عن المسرح الغربي وعن تياراته في فرنسا وانجلترا وروسيا.
في تلك الفترة أيضاً بدأ يعود من الإيفاد إلى مصر مخرجون عملوا في المسرح والتلفزيون لاحقاً هم أسعد فضة وخضر الشعار وعلي عقلة عرسان. أسعد فضة قدم دستويفسكي، وخضر الشعار قدم عملاً واحداً على ما أذكر ثم اختفى بعد ذلك. أما علي عقلة عرسان فصار رئيس اتحاد الكتاب لفترة طويلة. لم أستطع أن أعقد أية صداقة معه، في حين كنت أكثر قرباً من أسعد فضة.
كل شيء وقتها كان ينطلق من مصر. كان ذلك طبيعيا بالنسبة للعالم العربي. حتى الثقافة الغربية كانت تأتي من القاهرة بعد أن يأخذها المصريون ويقوموا بإعدادها لتتأقلم مع الجو المصري ثم يرسلوها إلينا.
حنان:
صحيح. لكن لا يمكن أن ننسى أن مصر في تلك الفترة وما بعدها كانت رائدة في نشر الثقافة الغربية. تلك كانت فترة ثروت عكاشة في وزارة الثقافة المصرية مع كل ما يمثله من انفتاح. أذكر كتاب لويس عوض “المسرح من أسخيلوس إلى آرثر ميللر”، وترجمات طه حسين للمسرح اليوناني، وما كان يقدّمه مفيد فوزي في البرنامج الثاني من إذاعة القاهرة التي كانت تبث حفلات الموسيقى الكلاسيكية وتنقل المسرحيات في بث مباشر. في تلك الفترة أيضاً كانت المجلات الثقافية والفكرية مثل مجلة المسرح ومجلة السينما ومجلة الفكر المعاصر تعرّف بتيارات الحداثة. أنا سمعت عن العبث وعن يونسكو وبيكيت من مجلة المسرح المصرية، وتعرفت على أعمال بازوليني وفيلليني وبرغمان وأنطونيوني من مجلة السينما المصرية قبل أن أشاهد أفلامهم في نادي السينما في المنتدى الاجتماعي وفي سينما الكندي بدمشق. مصر لعبت دوراً هاماً في ثقافتنا نحن الذين لم نسافر إلى الخارج، فكانت نافذتنا على الثقافة العالمية. لكن ذلك لم يدم طويلاً للأسف.



