الحلقة ٢ - ١٨ تشرين الثاني ٢٠٢٠
حنان:
حدثني عن لؤي كيالي طالما أنك كنت صديقه.
شريف:
كنّا متشابهين بالشكل لدرجة أن الناس كانوا يخلطون بيننا. يقولون لي رأيناك من يومين في المكان الفلاني، فأكتشف أن المقصود بذلك هو لؤي. طباعنا كذلك كانت متشابهة إذ كنا كلانا نحمل شيئاً من الخّفَر والتحفّظ وقلّة الكلام. هو كان أنيقاً جداً في تصرفاته وفي طريقة كلامه، وأنا كان لدي نفور من كل ما هو فج وسوقيّ، ولذلك توافقنا. كنا في زياراتي إلى دمشق أيام السبت والأحد نلتقي في الغاليري ثم نذهب معاً إلى مقهى في زاوية الشارع نشرب فيها القهوة. معاً اكتشفنا أبو صبحي التيناوي ولوحاته التي تصور عنترة أبوالفوارس وعبلة. ومعاً كنا نذهب لزيارة أبو صبحي في السوق، وكان لؤي يشرح لي الشبه بين لوحات التيناوي العفوية وبين بعض أعمال الفنانين الايطاليين. كان يقول لي: انظر إلى خط اليد هنا كم يشبه خطوط موديغلياني. انظر إلى هذه الزاوية… وهذا اللون! وهكذا كان يحلّل، وأنا كنت أكتب حتى خرجنا بمقال جميل جداً قرأه اللبنانيون بشغف.
هكذا كانت علاقتنا أنا ولؤي، وكم تألمت عندما سمعت بخبر الحادث الذي تسبب في وفاته في حلب. كنت وقتها في باريس، وحزنت كثيراً عليه.
حنان:
أنا أيضاً تألمت كثيراً لوفاته المبكرة. التقينا به صدفة أنا وزوجي قبل أيام من الحادث في الشارع في دمشق، وقررنا أن نذهب لشراء لوحات من عنده لأني كنت أحب أعماله كثيراً. لكننا بعد أيام سمعنا أنه توفي في حادث الحريق. احترق قلبي عليه!
حدثني عن علاقتك أيضاً بفاتح المدرس
شريف:
فاتح كان أكبر مني بكثير. بيننا ما يقارب ثلاثين سنة. أثناء التحضير للمعرض الذي أقمناه في بيروت للتعريف بالفنانين التشكيليين السوريين، كنت أذهب بالتكسي إلى مرسمه لآخذ معي لوحاته إلى بيروت حيث كنت أضعها في غرفتي بانتظار نقلها إلى صالة المعرض. وهكذا صرت أتردد على مرسمه.
في تلك الفترة كانت كوليت قد نشرت لي ديوان الشعر الذي ألفّته. بعد أن قرأه فاتح طلب مني أن أترجم له بعض الأشعار التي كتبها إلى الفرنسية، وهو ما فعلتُه مباشرة. ثم قال لي مرة: تعال لنؤلف كتاباً معاً. وبالفعل ذهبت في إحدى زياراتي إلى دمشق إلى مرسمه فاصطحبني لشراء أوراق شفافة وزجاجة من الحبر الصيني. بدأ يكتب الشعر الذي كان في رأسه بالحبر الصيني على الورق، ثم مرّر لي الورقة فقمت بترجمة بعض الكلمات، وكتبت على ورقة ثانية أحد أشعاري وأشعاراً أخرى كنت أرتجلها مباشرة، ثم تعود الورقة له ليخربش عليها بعض الرسومات ويضيف كلمة هنا وكلمتين هناك. وهكذا أمضينا الوقت نتبادل الأوراق ونرتجل الشعر ونكتب ونرسم ونشرب. في الرابعة صباحاً تعبنا وأوقفنا العمل. عدنا في اليوم التالي لنكتب بالطريقة نفسها، وأنهينا الكتاب بيومين. ثم طلبنا من أحد أصدقاء أبي الذي كان يعرفني من صغري وهو أورخان ميسّر أن يكتب مقدمة لذلك الديوان بالعربية وبالفرنسية. كان فاتح يعرف مطبعة فأعطاها الكتاب، واقترحت أنا أن نضع العنوان على ورقة حمراء مثلما تفعل دار النشر غاليمار. طبعنا من الكتاب 500 نسخة. بعدها، حين تركت دمشق وبيروت وذهبت إلى باريس. أخذت معي بعض النماذج من أوراقه الأصلية في حين أن المسودّة كلها اختفت فيما بعد للأسف، ولا أعرف ما حصل مع هذا الكتاب بعد سفري، وإن كان قد تم بيعه أو لا.




حنان:
هذه صور لبعض صفحات كتاب “القمر الشرقي على شاطئ الغرب”. أعدنا إصداره في احتفالية دمشق عاصمة الثقافة العربية 2008 لأننا وجدنا أنه وثيقة هامة يجب أن يتعرف عليها عدد أكبر من الناس. هل كرّرتما التجربة بعدها؟
شريف:
نعم ولا. فبعد عدة سنوات، جاء فاتح لزيارتي في باريس وقال لي: سنكتب كتاباً ثانياً. ثم أخذ أوراقاً وبدأ يرسم. كتب قصيدة مع عدة رسوم ثم قال لي أنه سيأتي في اليوم التالي لنكمل، لكنه لم يأت.
أقامت ابنته رانية مؤخراً معرضاً لأعماله في غاليري Roanne de Saint Laurent في فرنسا؛ ويضم المعرض مجموعة أعمال لم يعرفها أحد هي من المجموعة الخاصة لزوجته الثانية شكران. كتبتُ مقدمة لكاتالوغ المعرض بناء على طلب من رانية.
حنان:
أجريت مع فاتح في مرسمه سلسلة مقابلات طويلة حدثني فيها عن طفولته وعلاقته بأمه وبأبيه، حدثني أيضاً عن طبيعة جبال الأكراد والألوان التي فيها والضوء الذي كان يسحره حين كانت أمه بعد وفاة أبيه تختطفه من المدرسة وتأخذه إلى هناك قبل أن يعود آل المدرس لأخذه من جديد إلى حلب. حدثني عن سفره إلى إيطاليا مصطحباً معه أمه وابنة أختها التي زوجتّه إياها كي لا تتركها وحدها. ووصف لي كيف كانت أمه تستلقي بين الأعشاب بلباسها الكردي الملون في بيته الذي استأجره خارج روما لتكون لديها فسحة من الطبيعة… المقابلات موجودة في مسودات بخط اليد في دمشق وليس بمقدوري الآن الحصول عليها لكنني سأٌقوم بنشرها في يوم من الأيام لأنها بالفعل جميلة.
كانت عندنا قطعة أرض في غباغب جنوب دمشق مليئة بالصخور الضخمة السوداء. بعد أن استصلحنا الأرض للزراعة، كدسّنا الصخور في طرف الأرض فشكلت سوراً مرتفعاً. ذهب معنا فاتح مرة إلى غباغب فأحب تلك الصخور كثيراً. أراد أن يرسم عليها لوحات. ليته فعل. لكانت تجربة فريدة من نوعها.
كان إنساناً عجيباً. عندما عرف أن كلب المزرعة الذي نحبه مريض. طلب مني أن أحضر نصف ليتر من زيت الزيتون الصافي. فتح فم الكلب بيديه وسكب في حلقه زيت الزيتون. شفي الكلب تماماً بعدها.
ولا أنسى كيف رفع اصبعه ونادي الفراشة فأتت وحطت عليها.
