الحلقة ٣ - ٣٠ تشرين الثاني ٢٠٢٠
حنان:
كتاب “القمر الشرقي على شاطئ الغرب”، والطريقة التي عملتما بها معاً على كتابة القصائد تشبه نوعاً ما قصيدة “الجثة المشهّيةً Le cadavre excquis التي كتبها في عام ١٩٢٥ أو ١٩٢٦ السرياليون (وعلى الأخص جاك بريفيرJacques Prévert وإيف تانغي Yves Tanguy وأظن أنه كان معهم أندريه بروتون André Breton وفريدا كاهلو Frida Kahlo ). أنت تعرف هذه الحكاية بلا شك. كان يحلو لي في دروس تاريخ الفن في الجامعة أن أرويها لطلابي. فقد بدأت القصة على شكل لعبة ثم تحولت إلى تيار من الشعر السريالي. كان كل واحد من الشعراء الحاضرين يكتب كلمة على ورقة ثم يثنيها ويعطيها للشاعر الآخر الذي يضيف كلمة أخرى على أن يكون الترتيب بينهم هو التالي: فاعل، فعل، مفعول به. في النهاية يقومون بفرد الورقة فتكون هناك قصيدة تتألف من مجموعة الكلمات التي تشكل جملاً. أظن أن الجملة الأولى كانت: “الجثة المشهية ستشرب النبيذ الجديد”.
شريف:
صحيح أن الأمر أشبه بلعبة لكن شعر دادا والسريالية كان أيضاً نتيجة الشعور بلاجدوى العقلانية التي أوصلت الناس في أوروبا إلى حربين عالميتين.
حنان:
تماماً بالإضافة إلى أن اجتماع الفنانين من شعراء وموسيقيين وفنانين تشكيليين وارتيادهم للمقاهي والحانات المعروفة في فرنسا كان يولّد حولهم جوّاً من المرح ورغبة عارمة في المزاح، بالإضافة إلى ولادة تيارات فنية كانت تنتشر وتطال جميع الفنون في الوقت نفسه، بسبب هذا التواجد المشترك بينهم.
شريف:
سأروي لك قصة تندرج ضمن حالات المزاح الفني التي كان يحلو للفنانين في فرنسا أن يطلقوها في الفترة التي ظهرت فيها تيارات دادا والسريالية، وعلى الأخص أمام انتشار الفن التجريدي الذي كان يثير صرخات إعجاب وتأوهات بعض المتفرجين وبعض نقاد الفن من الذين لا يفقهون شيئاً في الفنون. فقد قام رئيس أكاديمية غونكور في فرنسا رولان دورجوليس في عام ١٩١٠ بتنظيم لعبة مع أصدقائه في واحدة من كاباريهات مونمارتر بباريس هي كاباريه “لو لابان آجيل” أو “الأرنب السريع”. أحضروا حمار صاحب الكاباريه وربطوا في ذيله ريشة غمسوها بالألوان وتركوها تتحرك فوق اللوحة الفارغة بإيقاع حركة الذيل العشوائية مما أدى إلى ملئ اللوحة بالألوان. أطلقوا على اللوحة بعد انتهائها عنوان “والشمس تنام على بحر الادرياتيك”. ثم أخذوها وعرضوها في صالون الرسامين المستقلين مدّعين أنها عمل لمصور إيطالي غير معروف هو يواكيم رافاييل بورونالي. كما أنهم إمعاناً في المزاح أطلقوا بياناً فنياً يُشيد بمدرسة فنية اخترعوها، قالوا أن الفنان أسّسها، وأعطوها اسماً هو “المبالغاتية l’excessivisme”. ولكي يصدّقهم الناس طلبوا من كاتب عدل أن يحضر ويسجل واقعة رسم الحمار للّوحة في محضر رسمي، وهو ما تمّ بالفعل.
ونحن في بيروت استذكرنا تلك الحادثة في إحدى سهراتنا في واحدة من علب الليل المعروفة آنذاك كان اسمها “لوديرز كلوب”. فقد أحضر أحدهم حماراً يذكر بقصة حمار بورونالي. ترين ذلك في هذه الصورة التي يبدو فيها
جلوساً من اليسار إلى اليمين بول غيراغوسيان، جلال خوري، امرأة لا أتذكر اسمها، وأنا، شريف خزندار
ووقوفاً في اليمين نرى صلاح ستيتيه يحمل سيجارة وبجانبه ميريز عكار. كتبنا وقتها قصائد حول ذلك الحمار. عندي القصيدة التي كتبتها يومها. سأبحث عنها وإن وجدتها سأريك إياها.
كنا نحب المسرح والشعر والفن، ونجتمع دائماً لنعمل وكذلك لنضحك. كانت فترة جميلة جداً.

حنان:
من الواضح أنك كنت في فورة الشباب، وكنت موهوباً ومليئاً بالرغبة في أن تقدّم وتعطي ما لديك. لا شك أيضاً أن علاقتك بالفنانين في سورية ولبنان في تلك الفترة قد لعبت دورها في صقل شخصيتك.
شريف:
نعم. كنت أعمل في كل مجال من المجالات بإخلاص كامل، لكنني في الوقت نفسه كنت لا أريد أن أغرق في شي واحد فقط حتى لا أكرّر نفسي. ولذلك كنت أبحث دائماً عمّا هو جديد. لهذا السبب، وعلى الرغم من كل هذا النشاط بين سورية ولبنان، بدأت أفكر بالسفر إلى فرنسا.
كنت قد تعرفت في بيروت على زوجة سفير كندا في لبنان، وهي فنانة تشكيلية دعتني مراراً لبيتها حيث التقيت بكثير من الفنانين التشكيليين اللبنانيين. كان جو السهرات عندها رائعاً. أذكر أنها في تلك الفترة رغبت بالسفر مع ابنها وابنتها من لبنان إلى فرنسا بالسيارة، لكنها خافت من اجتياز جبال طوروس في تركيا وحدها لأن السفر بالبرّ في تلك المنطقة كان محفوفاً بالمخاطر وقتها. عرضت عليّ أن أسافر معهم، فوافقت. وبالفعل رافقتُهم في الرحلة ووصلت إلى فرنسا وقررت البقاء في باريس. طلب لي أبي منحة لأستطيع أن أعيش، لكن بانتظار الحصول عليها كان عليّ أن أجد عملاً.
كنت في بيروت قد تقدمت لمسابقة قبول مذيعين في تلفزيون الشرق الذي كان قد افتُتح حديثاً ويقدم برامجه بالفرنسية. ولأني كنت أتكلم الفرنسية بطلاقة فقد نجحت في المسابقة وصرت أقرأ نشرة الأخبار بالفرنسية وأنا في لبنان. عندما وصلت إلى باريس ورحت أبحث عن عمل. أخذت رسالة توصية من تلفزيون الشرق وذهبت إلى قسم البرامج العربية الموجّهة لمنطقة الشرق الأوسط في راديو فرنسا. هناك التقيت ببرنار لانو Bernard Lanot الذي كان يحب سورية كثيراً لأن أمه من اللاذقية. كان يدير القسم ويقدّم بعض البرامج بالعربية. استقبلني بلطف وسألني عما أحتاجه، قلت له أني أريد أن أقدم برنامجاً عن المسرح في الراديو. ولما سألني عن الراتب الذي أريده قلت له 300فرنك، أي ما يكفيني لأعيش في باريس، فوافق. كان مبلغاً قليلاً لكنه يعادل منحة طالب في فرنسا. شاركت أيضاً في برامج أخرى كانت تُبث بالعربية في راديو فرانس ومن بينها برنامج عن المسرح كان يقدمه موسى عبادي Moussa Abadi وهو من أصل سوري أيضاً. ثم بدأت أقدم البرامج عن المسرح بالفرنسية.
ما أزال أشعر بالعرفان لبرنار لانو لأنه هو الذي سمح لي أن أبقى في باريس. وقد بقيت أراه من وقت لآخر. وعندما ترأسَ جمعية الصداقة السورية الفرنسية انضممت إليها. كانت جمعية غير سياسية دامت سنوات وقامت بعمل جميل. كانت الجمعية ترسل رسالة كل شهر أو كل ثلاثة أشهر للسوريين المقيمين في فرنسا وللسفراء السوريين في باريس، وسمحت بلقاءات بين الرسميين الفرنسيين ورجال الأعمال السوريين. من خلال هذه الجمعية التقيت بسوريين كنت أعرفهم من قبل وفقدت آثارهم مثل خالد شاتيلا ابن جورج شاتيلا الذي كان صديقاً لأبي. أذكر أنه كان يأتي لزيارتنا في البيت ويتحدث كثيراً. كما سمحت لي أن أتعرف على السفراء السوريين في باريس مثل يوسف شكور الذي كان صديق أبي وعمي. وهو والد لمياء شكور التي صارت فيما بعد سفيرة سورية في فرنسا. وكذلك السفير الياس نجمة الذي كان رفيقي في مدرسة اللاييك، وصرنا نخرج للسهر معاً. من بين الذين تعرفت عليهم في الجمعية أيضاً صبا ناصر التي كانت ممثلة سورية في اليونسكو وصارت لاحقاً سفيرة سورية في فرنسا، وكان شقيقها معي في الصف. وقد جمعتنا صداقة وصرنا نرى بعضنا بشكل دائم. وطبعاً كان هناك سامي الجندي الذي كان قد دعمني ودعاني للعمل في وزارة الثقافة في سورية وصار بعدها سفيراُ في فرنسا. كل تلك اللقاءات كانت تتم بفضل جمعية الصداقة السورية الفرنسية.
بعد ذلك بسنوات، عندما صار عندي في باريس مسرح الآليانس، استطعت أن أرد الجميل لبرنار لانو. فقد كان يبحث عن مكان لاجتماعات جمعية الصداقة السورية الفرنسية، فعرضت عليه استقبالهم في مسرح الآليانس. كانت صداقة جميلة جمعتنا أنا وزوجتي فرانسواز معه، واستمرت طويلاً حتى وفاته.
هكذا استطعت أن أعيش في فرنسا مما أكسبه. ثم طلبت أن أتدرب في المسرح الوطني الشعبي TNP في باريس، وفيه التقيت بالمخرج جان فيلار ورحت أتابع ما يقوم به. لكن تلك قصة طويلة.
حنان:
جان فيلار، أيقونة المسرح الفرنسي، وهو الذي أطلق فكرة المسرح الشعبي. أنت محظوظ لكونك عرفته وتدربت عنده. هل تستطيع أن تحدثني عن علاقتك به؟
شريف:
ليست لدي ذكريات كثيرة خاصة معه. كان ذلك في عام ١٩٦٣ في بداية إقامتي في فرنسا. كان قد قبلني كمتدرب في مسرح شايو Théâtre de Chaillot حين كان يخرج مسرحية “توماس مور رجل وحيد” Thomas More, un homme seul التي لعب فيها دور توماس مور. لا شك في أنه اختار هذه المسرحية لأن فيها ما يتقاطع مع حياته الشخصية. أمضيت عدة شهور في شايو أحضر تدريبات فيلار دون أن أتدخل لأنني كنت مجرد متدرب وما كنت أريد أن أقحم نفسي في العمل. لكنني كنت أصغي وأشاهد. ثم حين انتهى العرض، وترك فيلار العمل في المسرح، وجاء بعده في إدارة مسرح شايو جورج ويلسون، حضرت تدريبات ويلسون ثلاث مرات فقط، وتركت بعدها.
رغم عدم تدخلك في التدريبات، أنا واثقة أن ذلك وسّع آفاقك وجعلك تكتسب معرفة لا يُستهان بها في مقاربة المسرح والتحضير لعرض. قد تكون هذه التدريبات قد ساعدتك فيما بعد أن تكون ما صرت عليه.