مقدمة

هذا الكتاب هو مجموعة حوارات أجريتها عبر الواتس آب مع الصديق الغالي شريف خزندار في زمن الاعتكاف في البيت بسبب وباء الكوفيد 19، واستمرت بعد انتهائه. بعض هذه الحوارات طويل امتد على ساعات، وبعضها مختصر. منها ما تم على فترات متتالية قصيرة، ومنها ما تباعد في الزمن.
حدثني شريف خزندار في تلك اللقاءات عن بداياته في سورية ولبنان، وعن نشاطه المسرحي في نوادي الدراما في الجامعة الأميركية وفي الجامعة اليسوعية ببيروت، ثم عن عمله في المسرح بدمشق. كما أنه روى لي أشياء طريفة عن علاقته بالفنانين السوريين واللبنانيين في تلك الفترة التي كان يغطي فيها الأخبار الثقافية للملحق الأدبي لجريدة لوريان لوجور. وكانت الوثائق التي عرضها عليّ من أرشيفه الغني مفاجأة ممتعة وهامة، لأنها تستعيد جزءاً أساسياً من ذاكرة المسرح والثقافة في منطقتنا، وتستعرض تفاصيل فترة ثرية جداً ربما لم يسمع بها كثير من العاملين في مجال المسرح اليوم. ووجود بعض هذه الوثائق ضمن الحوار يشكل إغناءً له وإضافة لأهميته.
تجربة شريف الباريسية الغنية كانت أيضاً في صلب حوارنا الذي استعرضنا فيه عمله في فرنسا في الإذاعة الفرنسية أولاً ثم في إدارة المسارح والبيوت الثقافية، وبشكل خاص بيت ثقافات العالم الذي أسّسه وترأّسه لفترة طويلة تمتد حتى يومنا هذا. ولم نكتفِ في حوارنا بسرد الأحداث، بل ناقشنا أيضاً خلاله مفاهيم مفتاحية كمفهوم الثقافة والتراث والفولكلور، وتحدثنا عن مواضيع راهنة مثل التنوع الثقافي والمثاقفة والانفتاح على الآخر، وجميعها تقع في صلب اهتمامات وعمل شريف خزندار الذي شغل قبل تقاعده منصب رئيس لجنة الثقافة في اللجنة الوطنية الفرنسية في اليونسكو، وتم تعيينه مستشارا حكومياً في الشؤون المتعلقة بالتراث الثقافي اللامادي في المنظمة.
في تلك الجلسات، كثيراً ما كان يتردد اسم فرانسواز غروند زوجة شريف ورفيقة دربه وشريكته في السفر إلى البعيد لاستكشاف غنى المخيلة البشرية وتجلياتها على شكل ألوان وخطوط، أو رقص وموسيقى وشعر وغناء. كنت من وقت لآخر أتحدث مع فرانسواز وأطلب منها أن تضيف على ما يقوله هو، فكانت تعليقاتها الطريفة والعميقة إغناءً لهذا الحوار الطويل.
شريف وفرانسواز كانا من الأصدقاء المقرّبين لأهلي يزوراننا في بيتنا، وكثيراً ما كنت ألتقي بهما في مسرح القباني عندما أذهب مع أبي في جولاته هناك وأنا في العاشرة أو أقل بقليل. وعندما غادرا سورية، تركا لوالديّ بعض كتبهما فقرأتها فيما بعد بشغف، وكانت أول عهدي بالأدب الفرنسي.
بعد سنوات طويلة، التقيت بهما من جديد في فرنسا بعد انتهائي من تحضير رسالة الدكتوراه في المسرح، وكانا دافئين في استقبالي واحتوائي لكثرة محبتهما لأهلي. استعدنا معاً ذكريات الفترة التي عاشا فيها بدمشق، والأصدقاء، والمسرح، والكتب، وسهرات الزجل الضاحكة التي كان والدي يتبارى فيها مع فرانسواز بالعربية وبالفرنسية، وكل تلك الصور التي كان يحلو له أن يرسمها لهما بخطوطه السريعة المعتادة ….
في عام 2008 حين كنتُ الأمين العام لاحتفالية دمشق عاصمة الثقافة العربية، طلبت من شريف خزندار أن يكون عضواً في مجلس أمناء الاحتفالية، فقبل رغم مشاغله الكثيرة. وقد شكّلت نصائحه واقتراحاته إغناءً لبرنامج الاحتفالية الثري والمتنوع.
هو رجل قليل الكلام، خافت الصوت، لا يذكر إلا ما تسأله عنه، ولا يتبجح بما يعرف وبما يفعل، رغم أنه يعرف الكثير وفَعَلَ الكثير.
كان طلابي من خريجي المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق يصادفون أحياناً ذلك الرجل الطويل الأنيق صاحب الابتسامة الخجولة والذي يجول بصمت ضمن أروقة معارض ونشاطات دمشق عاصمة الثقافة العربية. ما كانوا يدرون وقتها أنهم يمرون بأحد الذين لعبوا دوراً في تأسيس حركتها الثقافية، وأنهم ربما يدينون له ولأمثاله بوجود مسرح متميّز في بلدهم سورية.
حنان قصاب حسن
الدوحة، 2024